الإسلام والصراع على النيل!

ربما يكون العنوان غريبًا, فما علاقة النيل كمجرى مائي بالإسلام كدين؟ وربما يقول قائل (مستنكرًا): ما هذا؟ أيُّ ربط هذا بين النيل والإسلام, وهل كل شيء يربط بالدين هكذا؟ وللإجابة عن هذا الأمر يمكن الاستفادة من نصيحة الرئيس الفرنسي الكبير شارل ديجول، الذي قال يومًا: إذا أردت أن تفهم السياسة فانظر إلى الخريطة!. خريطة النيل يجتمع نهر النيل في عاصمة السودان (الخرطوم)، ويتكون من فرعين رئيسيَّين يقومان بتغذيته وهما: فرع النيل الأبيض في شرق القارة، و"فرع النيل الأزرق" في إثيوبيا. يشكِّل النيل الأزرق نسبة (80 : 85%) من المياه المغذية لنهر النيل، وهو ينبع من بحيرة تانا الواقعة في مرتفعات إثيوبيا بشرق القارة. بينما يطلق عليه اسم "النيل الأزرق" في السودان، ففي إثيوبيا يطلق عليه اسم "آبباي"، ويستمر هذا النيل حاملاً اسمه السوداني في مسار طوله 1.400 كم حتى يلتقي بالفرع الآخر، النيل الأبيض، ليشكِّلا معًا ما يُعرف باسم "النيل" منذ هذه النقطة وحتى المصب في البحر المتوسط. نتيجةً للإمكانيات الهائلة التي يوفِّرها نهر النيل، فقد كان مطمعًا للقوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، فقد تحكَّمت الدول الأوروبية في دول حوض النيل في تلك الفترة، ومع انتهاء السيطرة البريطانية على مصر والسودان في الخمسينيات من القرن العشرين، تمَّ توقيع اتفاقية نهر النيل عام 1959م لتقسيم مياه النيل، وترفض أغلبية دول حوض النيل هذا التقسيم ويعتبرونه جائرًا من أيام التوسع الاستعماري. إثيوبيا والإسلام تذكر المراجع التاريخية أن الوثنية كانت هي الديانة الغالبة على الشعب الإثيوبي، بينما كان الحكم نصرانيًّا، وتعدُّ إثيوبيا هي الأرض الأولى التي وطأتها أقدام المسلمين، وتعرَّفت على هذا الدين العظيم قبل أن ينتشر في الجزيرة العربية، ويرجع ذلك الفضل إلى المهاجرين الأوائل من المسلمين، وقد توطَّن الإسلام وانتشر في تلك الربوع، حتى إن ملكها أصحمة (النجاشي) وعددًا من أصحابه دخلوا الإسلام وكتموا أمرهم خوفًا من تعصُّب البلاط النصراني، ولاقتراب المنطقة من الأراضي الإسلامية المقدسة، كان تأثير الإسلام فيها واضحًا، وقد ساعد هذا القرب الجغرافي على انتشار الإسلام في المنطقة، خاصةً سواحل البحر الأحمر؛ حيث حركة التبادل التجاري مع سكان الجزيرة العربية، وفي أوائل القرن الثاني للهجرة دخل الإسلام القارة الإفريقية عن طريق الدعاة القادمين من الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر؛ حيث نزلوا في ميناء زيلع في القرن الإفريقي، وازداد انتشار عدد المسلمين وتعاظمهم في القرن الخامس الهجري؛ حيث أسَّس المسلمون دولتهم في هذه المنطقة، واتخذوا من مدينة هرر عاصمةً لهم. ولقد توغَّل المسلمون بعد ذلك في الأراضي الإثيوبية، وكان معظمهم من الدعاة التُّجار الذين ينتمون إلى القبائل النازحة من الجزيرة العربية. أما في العصر العباسي فقد هاجرت مجموعات مضطهدة من أنصار أهل البيت إلى تلك الأرض واستطاعت أن تنقل القبائل الإثيوبية الوثنية إلى الإسلام، وساعدت على إنهاء الصراعات القبلية، ومنذ ذلك الحين انفصلت إريتريا عن إثيوبيا، وحُكمت بالإسلام كما هو شأن الأراضي الصومالية. لكنَّ وعورة الأراضي الجبلية الإثيوبية وصعوبة اجتيازها شكَّلت عاملاً من عوامل عدم انتشار الإسلام بسهولة فيها، كما هو شأن الأراضي المنخفضة والسهول؛ كاليتجراي وهرر. وكان لسيطرة المسلمين على الطرق التجارية المهمة أثر كبير في انتشار الإسلام، خاصةً بعد فتحهم منطقة (زيلع) وإشرافهم منها على طريق هرر التجاري المهم، ثم أنشئوا على هذا الطريق المؤدي إلى قلب الحبشة إمارات وممالك صغيرة، مثل زفات، أدل، مودة، جداية، وغيرها جنوبي نهر (هوش). وفي القرن العاشر الهجري ازداد قلق المسيحيين والأحباش من انتشار الإسلام؛ فبعثوا برسائل إلى كلٍّ من: الفاتيكان، وبريطانيا، وروسيا، وإسبانيا، يطلبون فيها تزويد المسيحيين بالسلاح؛ لإيقاف الزحف الإسلامي وإبادته، مدَّعين بأنهم محاصرون ببحر إسلامي يهدد كيان المسيحية في البلاد. بدأ الأحباش حربهم الغادرة على إمارة هرر الإسلامية، ووصلوا إلى مشارفها فتصدَّى لهم الإمام الفاتح أحمد إبراهيم وردَّهم على أعقابهم، ثم أعدَّ لهم جيشًا قويًّا وزحف بجيشه هذا حتى وصل مدينة أكسوم عاصمتهم آنذاك، وحكم البلاد زهاء 16 سنة، نشر فيها الإسلام حتى وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 90%، وانتشر الإسلام كذلك بين قبائل (سلامة) الحبشية المستقرة وما حولها من قبائل البدو، وكذلك دخل ملوك بلاد (كوشي) في الإسلام، وأصبحت مدينة هرر في مملكة (دوارة) مركزًا من المراكز الإسلامية المهمة، والتي كانت في أوج تطورها واستقرارها منطلقًا للإشعاع الفكري؛ حيث شهدت حركة فكرية إسلامية واسعة، بنيت خلالها المساجد ومدارس اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وكان فيها ما يقرب من (90) مسجدًا لا تزال باقيةً حتى اليوم، شاهدة على عظمة الإسلام ونفوذه، وقد كان معظم الدعاة من اليمن والجزيرة العربية ومصر، ومن مدينة هرر هذه انطلقت الحركات الجهادية التي كانت تدعو إلى توحيد المسلمين في تلك الأرض تحت راية واحدة لتشكيل الدولة الإسلامية الإفريقية الكبرى. وكان من أهم هذه الحركات حركة الإمام أحمد إبراهيم الفرَّان الجرافي، أمير هرر، الذي ما إن تعرَّضت إمارته لهجوم الصليبيين حتى دعا إلى الجهاد الشامل، وذلك سنة 1527م؛ لدرء الخطر عن الإمارة وفتح البلاد الوثنية والنصرانية. واصل الإمام أحمد الزحف بجيوشه حتى فتح إثيوبيا كلها، ووصلت جيوشه إلى منطقة التاكا السودانية، وسيطرت على مساحات شاسعة من أراضي إفريقيا الوسطى والشرقية، ولولا تدخل الغرب الصليبي- ممثلاً بالبرتغاليين الذين كانوا يجوبون سواحل المنطقة وبحارها بأساطيلهم الحربية وسلاحهم الناري المتطور حين استنجدت بهم الكنيسة النصرانية- لما تمكنوا من إيقاف زحف المسلمين، وخاض المسلمون معارك دامية ومدمرة استُشهد خلالها الإمام أحمد عام 1537م، وتفرقت جيوشه وطويت باستشهاده صفحةٌ مشرقةٌ من تاريخ المسلمين. وبقيت هرر بعد استشهاده بمدارسها ومساجدها مركز نشر الإسلام ودعوته بين القبائل هناك، وكان لمجيء الحملة المصرية بقيادة رءوف باشا عام 1875م إبان حكم الإمبراطور النصراني يوحنا- الذي كان شديد البطش بالمسلمين والتعصب للنصرانية- أثرٌ كبيرٌ في دخول المزيد من قبائل الأورومو في الإسلام وانتشار الدين بشكل واسع هناك، خاصة بعد سيطرة المصريين على زيلع وبربرا وهرر، لكن قيام الثورة المهدية في السودان وانسحاب الحاميات المصرية من المنطقة أدى إلى إضعاف إمارة هرر، خاصة بعد أن لحقت بالجيش المصري هزائم متكررة من قبل جيوش الحبشة بقيادة (منليك) الذي أصبح إمبراطورًا للحبشة بعد يوحنا. فسقطت الإمارة وهزم أميرها عبد الله علي عبد الشكور أمام جيوش منليك النصراني. ولا يزال المسلمون يشكِّلون الأكثرية بين سكان إثيوبيا الذي يبلغ 60 مليون نسمة، ففي العاصمة أديس أبابا وحدها تتراوح نسبة المسلمين من 30 إلى 36% من مجموع السكان، ولا زالت اللغة العربية الرسمية في 5 ولايات من بين 13 ولاية. والمسلمون هناك فئتان: الأولى: وهي أقلية من أصحاب الأموال والجاه والنفوذ. والثانية: وهي الغالبة فقيرة من الرعاة والمزارعين، وللمسلمين هناك مجلس يتولى إدارة شئونهم الدينية؛ حيث يُشرف على (160) مدرسة و (17) مسجدًا. التطور المُهدر! كان من الممكن للعرب أن يستثمروا ذلك التطور الإيجابي في إثيوبيا وإفريقيا عمومًا, وقد ظلَّت مصر على يقظة بالغة لتلك القضية حتى العهد الملكي وبدايات العهد الناصري من خلال إرسال بعثات الأزهر والدعاة والقراء للدول الإفريقية, وللأسف الشديد اُهدرت تلك الجهود فيما بعد, كما كتب بجلاء واضح الدكتور. حلمي شعراوي- مركز البحوث العربية والإفريقية- في كتابه القيم "الفكر السياسي والاجتماعي في إفريقيا", ليشعر المرء ببالغ الأسى عن غفلة صناع القرار عن التواصل مع نتائج وجهود المراكز البحثية في بلادنا!! جهود التنصير وغفلة العرب! لقد بدا جليًّا أمام القوى الغربية الاستعمارية أن الشمال الإفريقي يمثِّل بوابة عبور الإسلام لبقية إفريقيا, وهذا من شأنه أن يؤدي إلى وحدة المصير والهدف مع عمق الروابط الأخوية والثقافية, ولذلك بُذلت جهود كبيرة من دول ومنظمات لفصل تأثير الشمال على الجنوب, وكان منها ربط الشمال الإفريقي شمالاً صوب البحر الأبيض المتوسط (الاتحاد من أجل المتوسط مثالاً), كما تم تأسيس روابط إفريقية مستقلة عن الشمال كالكوميسا وغيرها, فالغرب الإفريقي الغي جوازات السفر فيما بينهم تأسيسًا لوحدته, وأصبح الجنوب الإفريقي قوة إقليمية كبيرة وكذلك الشرق الإفريقي!! في تلك الأثناء انشغل الشمال الإفريقي بحالة الصحوة الإسلامية التي سادت هذه البلاد, وبدلاً من استيعابها وحسن توظيفها وترشيدها باعتبارها مكونًا هامًّا لترسيخ الهوية, سادت حالة من العداء بين الأنظمة الشمالية والحركات الإسلامية, كما ساهم الغرب في ربط الإسلام بالإرهاب؛ ليؤدي إلى محاصرة الدعوة, وتركزت الإملاءات الغربية للأنظمة بتغيير المناهج الدراسية, ونشر الثقافة الغربية (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية) مما أدى إلى الخصخصة، ورسملة الاقتصاد، وشُرب البيبسي، وارتداء الجينز، وكشف بطون بعض الفتيات, واحتقار اللغة العربية, وتأسيس الجامعات الغربية على أرض البلاد الإسلامية, كل ذلك وغيره ساهم في تعميق الصراع, والانسلاخ التدريجي من هوية الأمة, فلم يكن غريبًا أن تعيش كل بلاد الشمال الإفريقي (مصر، وليبيا، والجزائر، وتونس، والجزائر، والمغرب) حالة صراع مع الإسلام على اختلاف درجات الحدة والصراع, بل والأغرب من ذلك فقد تولدت بين بلدان الشمال حالة من الفتور والخصومة وربما العداء, ولعل حالة مباراة مصر والجزائر تكشف بجلاء عن هذه القضية. في ذلك الوقت كانت جهود (الآخر) على قدم وساق في إفريقيا, فالغرب الذي يطالبنا بتغيير هويتنا واعتناق العلمانية, كان (ولا يزال) يدعم جهود التنصير عبر أعلى مستوياته السياسية والاقتصادية من خلال واجهات اجتماعية أو خيرية أو طبِّية أو إغاثية, ولذلك نرى كيف تغيرت نسب تعداد المسلمين في هذه البلاد هبوطًا بسبب الجهود التنصيرية من جهة والفراغ الدعوي القادم من الشمال من جهة, والجهود السياسية والاقتصادية الدولية من جهة أخرى, كما نشطت إسرائيل بشدَّة لتحتل ذلك الفراغ (فهذه البلاد لا تلعب!!)، وكان الأولى بنا (كعرب ومسلمين) أن تُبذل الجهود للمحافظة على الوجود الإسلامي في هذه الدول ترسيخًا للهوية وتحصينًا وتقويةً للروابط بيننا وبينهم، حتى في حالة السودان, كانت خصومتنا لحكومة البشير ذات التوجه الإسلامي, وكانت الروابط والعلاقات والاستقبالات الرئاسية لجون جارانج وقادة حركة تحرير السودان (تحرير السودان ممن؟ ومن أي شيء؟) دون النظر إلى خطورة انفصال الجنوب السوداني الملاصق لدول المنبع والساعي لتكوين دولة مستقلة مسيحية في جنوب السودان. الدوافع سياسية ثقافية وليست اقتصادية! لقد أظهرت الأزمة الحالية في استقلال دول المنبع في قرارها واتفاقها دون دول المصب أثار الغفلة العربية عن هذه الدول, وإذا كانت الدول الكبرى تسعى لتحقيق مصالحها عبر السياسة والاقتصاد والثقافة, فإننا تجاهلنا ذلك كله, وربما يقول قائل: إن الدافع لهذه الأزمة هو الدافع الاقتصادي لدول المنبع, وربما يكون ذلك صحيحًا, لكنه ليس الدافع الأهم وليس الدافع الرئيسي, فأغلب دول المنبع تعتمد على الأمطار في زراعتها, كما أن ما يجري على أراضيها من مياه النيل يكفيها وزيادة, لذلك فإن الدافع السياسي الذي يدعم الصراع الثقافي هو الأبرز بامتياز. جدار هنا وجدار هناك إن الداعين إلى تقزيم دور مصر داخل حدودها فقط دون النظر إلى أهمية الجار وعمق روابطنا به, هم الذين نادوا بحق مصر بناء جدار فولاذي بيننا وبين غزة (بين مصر وحماس, وليس بين مصر وإسرائيل!!), واستصدروا فتاوى تقول بحق مصر أن تفعل على أراضيها ما تشاء حفاظًا على أمنها القومي, فهل يكون مقبولاً الآن أن نؤمن بحق إثيوبيا أن تفعل على أرضها ما تشاء, فتقيم سدودًا على النيل عبر مشروعات كبرى لشركات إيطالية وصينية ويابانية؟ وأخيرًا: إن الحفاظ على هويَّتنا وعدم الانجرار وراء مساعي الغرب في طمس ومسخ هويتنا سيظل حصنًا حصينًا لوحدتنا وتحقيق مصالحنا, ولعل الصلح المجتمعي بين الأنظمة وشعوبها تحقيقًا للحرية والعدالة والديمقراطية والمحافظة على ثقافة أمتنا سيعمل على تقوية أمتنا أمام المخاطر التي تتهددها, وها هو الخطر أتى من صهاينة وغرب كنَّا نظن أن النفع في الركون إليهم, ولعل ذلك يُوقظنا من غفلتنا فننهض بأمتنا وفق ثقافتنا, نعمل لها وننشرها, فقد اتضح أنها أهم ركائز أمننا القومي الذي يتجاوز حدودنا الضيقة التي أراد أعداؤنا حصرنا فيها, وللأسف روَّج لذلك فريق من بني جلدتنا لكنهم ليسوا قطعًا من محبي ثقافتنا.
مصطفى كمشيش
د. البلتاجي يكتب من على أسطول الحرية

أكتب هذا المقال بعد صلاة فجر يوم السبت 29/5/2010م من على ظهر سفينة (الحرية لغزة) التركية العملاقة الواقفة في عرض البحر بالمياه الدولية بالقرب من قبرص، في انتظار تجمُّع باقي السفن المكونة لأسطول (الحرية لغزة)، والمقرر أن يتجه إلى غزة بعد ساعات, ويوجد على ظهر هذه السفينة التي أقلعت بنا من مدينة أنطاليا بجنوب تركيا أكثر من 750 متضامنًا من أكثر من 40 دولة، من بينهم برلمانيون وسياسيون وحقوقيون وناشطون ينتمون إلى مؤسسات إغاثية وجمعيات أهلية من مختلف الأجناس والأعراق والأديان (على رأسها هيئة المساعدات الإنسانية التركية، وحركة غزة الحرة الأوروبية، وحركة شريان الحياة والحملة الأوربية؛ لكسر الحصار ووفود لحركات سويدية ويونانية وبريطانية, وكان من فضل الله أن انضم لهذه الجهود- هذه المرة- جهود عربية وإسلامية واسعة على رأسها المشاركات الجزائرية والكويتية والماليزية).
يتكون الأسطول من 8 سفن, 3 منها للشحن حملت أكثر من 10 أطنان من المساعدات (التي تميَّزت هذه المرة أنها لم تكتفِ بالأغذية والأدوية بل ضمت لأول مرة مواد البناء من حديد وإسمنت وحوائط جاهزة لإعمار ما دمرته الحرب الصهيونية على غزة من بيوت ومدارس ومساجد...), كما أن الجديد هذه المرة أن المساهمين في القافلة اشتروا السفن ذاتها؛ لتصبح آلية مستمرة لكسر الحصار عن غزة لحين انتهاء الحصار بشكل نهائي, وقد قُدرت تلك المساهمات الشعبية بأكثر من 10 ملايين دولار، كان أسخاها- إلى جانب المساهمات التركية الضخمة- المساهمات الجزائرية والكويتية والماليزية.
وصلت إلى إسطنبول (برفقة أخي د. حازم فاروق)، ومنها إلى مدينة أنطاليا (جنوب تركيا على الساحل الشمالي للبحر المتوسط) صباح الأحد 23/5/2010م, وبقينا هناك؛ حيث ترتيبات الشحن وتنسيقات وصول السفن القادمة من مختلف دول العالم (السويد- بريطانيا- أيرلندا- اليونان)؛ لتلحق بالسفن والوفود المنتظرة في تركيا, ورغم أننا كمصريين لم نشارك سوى بأجسادنا إلا أن الوفود العربية (التي شاركت بملايين الدولارات وبعشرات المشاركين) قد اختارتني رئيسًا لها (وهو شرف لا أستحقه إلا أنها دلالة مكانة شعب مصر في نفوس الأمة العربية).
خلال وجودنا في أنطاليا استمعنا عبر وسائل الإعلام إلى عروض صهيونية تقول: غزة!!! كما استمعنا لعرض من مسئولين مصريين بترحيب بالقافلة وباستعداد لإدخالها عبر العريش!!!.
عُقدت الاجتماعات تلو الاجتماعات واستقر قرار المنظمين بالإجماع على رفض هذه العروض؛ لأن الغرض الرئيسي من قافلة السفن هذه المرة هو كسر الحصار، وليس مجرد إدخال المساعدات، (هذا فضلاً عن رصيد التجربة المريرة التي عانتها قوافل "شريان الحياة"- بقيادة المناضل البريطاني جورج جالاوي- حين جاءت في المرة الأولى من غرب أوروبا مرورًا بشمال إفريقيا؛ لتدخل مصر عبر السلوم, وفي المرة الثانية من شرق أوروبا مرورًا بتركيا وسوريا؛ لتدخل مصر عبر العريش, ومرة ثالثة حين جاءت رأسًا؛ لتشتري المساعدات من القاهرة, ولاقت هذه القوافل الثلاث ما لاقته من عنتٍ ومضايقات، ورفضت السلطات دخول بعض المساعدات، واعتبروا كل المشاركين في القافلة الأخيرة غير مرغوب فيهم مصريًّا).
علَّق المتحدث باسم وزارة الخارجية الصهيونية على القافلة فقال: إنه لا يوجد حصار على غزة، وأن البضائع والمساعدات جميعها تدخل إلى غزة، ولا يوجد ما يستدعي هذا العمل الدعائي الذي لن تسمح به دولته, سمعنا أن معبر رفح تمَّ فتحه لعبور قافلتين من الإمارات العربية تحمل عديدًا من شاحنات المساعدات!!!.
وهنا فقط أُذكِّر بخطورة أن يتم فتح وإغلاق المعبر بما يخدم المصالح الصهيونية؛ حيث يُغلق حينما يكون مطلوبًا صهيونيًّا الضغط على أهل غزة- كما حدث أثناء الحرب عليها!-، ويفتح حين يكون مطلوب تبييض وجه الكيان الصهيوني أمام الرأي العام العالمي، ورفع الحرج عنه, على كل حال فقد قرر المشاركون أن الهدف هذه المرة ليس مجرد توصيل المساعدات ولكن كسر الحصار, بمعنى أن من واجبنا أن نتساءل بكل قوة:
إلى متى تعيش غزة وحدها- دون باقي مدن العالم كله- في عزلة وانقطاع وسجن كبير؛ حيث لا مطار جوي ولا ميناء بحري، ولا منافذ برية طبيعية يتواصلون من خلالها مع باقي البشر؟!
لماذا أهل غزة- دون غيرهم من البشر- لا يحصلون على ضرورات حياتهم من طعام وشراب ودواء- فضلاً عن الكماليات التي هي أيضًا من حقهم كبشر- إلا تهريبًا من خلال الأنفاق وبأغلى الأسعار؟!
لماذا مرضى غزة يُمنعون من العلاج المناسب فيموتون؟!، ولماذا طلاب غزة- دون غيرهم- يمنعون من الخروج لتحصيل العلم؟، ولماذا حجاج غزة- دون غيرهم- يُمنعون من أداء الفريضة أو مناسك العمرة؟
ولماذا أهل غزة- دون غيرهم من البشر- يُمنعون من التواصل مع أهليهم وذويهم خارج غزة إلا لفترات محدودة ولأشخاص محدودين وبتصاريح من عدوهم؟
ولماذا بيوت ومدارس ومساجد غزة- دون غيرها- إذا تعرضت للتدمير لا يملك أهلها إعمارها؟! ولماذا بنوك غزة دون غيرها من مدن العالم لا تستقبل التحويلات البنكية؟
ولماذا أهل غزة- دون غيرهم من الشعوب- يُعاقبون على اختيارهم لحكومتهم المنتخبة من خلال أنزه انتخابات عاشتها المنطقة العربية؟!
أما آن لكل هذه الجرائم ضد الإنسانية أن تتوقف؟!
لقد استمرت جريمة الحصار بكل ما ترتب عليها من جرائم في تزايد مستمر عبر السنين (بالمناسبة تمَّ هدم وتدمير مطار غزة الدولي الذي كان يستوعب 700000 مواطن فلسطيني سنويًّا في ديسمبر 2001م), واستمر الحصار بشكل كامل منذ 2007م, وحرِص الكيان الصهيوني على تطبيع الحصار وتعويد العالم كله عليه, وشاركت حكومات وأنظمة في الحصار، وصمتت الشعوب (التي لم تملك من أمرها شيئًا)؛ لحين وقع العدوان الصهيوني البربري على المحاصرين في ديسمبر 2008م, فقام أحرار العالم ليعلنوا أن الصمت لم يعد ممكنًا, وأنه إذا قبلت الحكومات والأنظمة بذلك- رضًا أو عجزًا- فإن الشعوب تستطيع أن تصنع شيئًا, ومن ثم تجيء هذه الحملة لتكسر الحصار بنفسها- بالدخول بحرًا إلى غزة ولتفتح الطريق- مرة بعد المرة- أمام الملاحة البحرية من وإلى غزة, ولتهدي هذه السفن لأهل غزة لاستخدامها في التواصل مع العالم من حولهم.
طرح الإعلاميون المرافقون للقافلة علينا السؤال مرارًا: ما السيناريوهات المتوقعة أمامكم؟, كما استمعنا في الأيام الثلاثة الأخيرة لتهديدات الصهاينة وتحذيراتهم "ليس فقط بأنهم لن يسمحوا بمرور القافلة وبوصولها إلى غزة, ولكن بلغنا قرار مجلس الوزراء الصهيوني المصغر الذي عهد للجيش بمهمة التصدي والمواجهة للقافلة لتتحول من مهمة سياسية إلى مهمة عسكرية), ثم زفت إلينا وسائل الإعلام الخبر أن الجيش الصهيوني قد أعد عديدًا من الخيام والمعسكرات في أسدود بغرض اعتقال كل من على السفن, تدارسنا الخبر واستقر الرأي بالإجماع على المسير قدمًا إلى غزة رأسًا, وعدم التجاوب مع أي عروض بديلة وعدم الالتفات للتهديدات والتحذيرات.
وأعلن القائد العظيم بولنت يلدرن (رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية التركية) مرة تلو المرة أنه ليس أمامنا من خيارات سوى الدخول إلى غزة بحرًا (لتحقيق كسر الحصار عن الشعب المحاصر) مهما لاقينا من صعوبات, فإن منعنا فسنصر على مسيرنا فإن اعتدى علينا (ولو بالقتل أو الأسر) فلسنا أغلى من مليون ونصف مليون يتعرضون للقتل والأسر والجوع والحصار, ولن يعدو ما يحدث لنا أن يكون جريمة جديدة تُضاف لسلسلة جرائم الكيان الصهيوني (التي تسلسلت من دير ياسين وكفر قاسم إلى قانا وجنين وخان يونس، وما سجله تقرير جولدستون عنا ببعيد)؛ لكن الجريمة هذه المرة ستكون ضد ممثلين لأكثر من 40 دولة، ولعلها- هذه المرة- توقظ ضمير الإنسانية، فيتحرك ضد هذه الجرائم ويرفض الصمت ويقف معنا يعلن أن الصمت لم يعد ممكنًا.
هذه هي رسالتنا التي نريد بثَّها.. إما أن تنجح مهمتنا لكسر الحصار ومن ثَّم تتواصل المهمة؛ لحين إنهائه, وحينذاك نستطيع كشعوب أن نتقدم لمواجهة باقي جرائم الصهيونية (التي أساءت للبشرية ووصمت جبينها بالعار), سواء تلك التي تقع على الشعب الفلسطيني في غزة المحاصرة, أو تلك التي تقع عليه في الضفة من (طرد وسحب هويات وإغلاق وحواجز عسكرية ومصادرة أراضٍ ومطاردات وملاحقات واعتقالات)، أو في القدس من (حفريات وتهديد مقدسات وتهويد أحياء وهدم بيوت وبناء مستوطنات)، أو حتى في الشتات من منع حق في العودة للديار بالمخالفة لكل شرائع وقوانين الأرض والسماء.. أو أن نوقظ ضمير العالم بما يرتكبه الكيان الصهيوني ضد مشاركين في عمل إنساني وصولاً لانتفاضة إنسانية عالمية شعبية ضد كل جرائم الاحتلال بل ضد الاحتلال ذاته.
نقدِّر أننا أمام عدو من ورائه معسكر يمتلك من العدة والعتاد والأموال ما ليس لنا به قبل بحسابات المادة؛ لكني أنقل إليكم مشاعر وروح التحدي والإصرار والعزيمة التي تملأ قلوب وتعلو وجوه كل المشاركين في القافلة (حتى من غير المسلمين).
ترى ماذا ستسفر عنه الساعات المقبلة... أتصور أننا أمام لحظة فارقة في تاريخ الأمة بل في تاريخ البشرية حين يتحرك ممثلون لكل الأجناس والأعراق والأديان في إصرار على الدفاع عن قيم الحق والعدل والحرية، وفي محاولة لتحسين وجه الإنسانية الذي تلطَّخ طويلاً.
أتقف الشعوب موقف المتفرج أم تناصر هذا التحرك وتعضده وتقف في وجه خصومه بكل قوة حتى ينتصر؟!!
----------------
* د. محمد البلتاجي- الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.




حوار : صهيب عبد المقصود