.

تسجيل الدخول

حاليا يتواجد 49 زوار  على الموقع

مقالات وآراء

الشيخ عبد الخالق الشريف يكتب: إيضاحات حول زكاة الفطر

تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 


الى الإخوة الأئمة والوعاظ.. إلى الإخوة الكرام الذين يجمعون زكاة الفطر ويقومون بتوزيعها على مستحقيها..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

تقبَّل الله منا ومنكم صالح الأعمال وتجاوز عن سيئها، والحمد لله الذي بلغنا رمضان.

نسأله- تبارك اسمه- أن يعيننا على الصيام والقيام.

إخواني الكرام..

تحدث مشاكل متعددة حول زكاة الفطر نبيَّن بعض الإيضاحات حولها:-

1- وقت إخراجها:

حيث انتشر بين الناس أن ذلك في أواخر شهر رمضان، بل الكثير أن يكون إخراجها بعد غروب شمس آخر أيام رمضان، وللعلم فليس هناك نص نبوي كريم في ذلك، وإنما هي استنباطات، ويترتب عليه أن الكثير ممن يستقبلون زكاة الفطر لا يسعفهم الوقت في إخراجها لمستحقيها.

وهنا نذكِّر الجميع برأي الشافعية في هذا الشأن حيث يجوز لديهم إخراجها من أول يوم في رمضان ويبنون ذلك على أساس أن زكاة الفطر تجب بسببين:

- صوم رمضان، والفطر منه، فإذا وُجد أحدهما جاز تقديمه على الآخر.

وعندما نأخذ بهذا الرأي فإننا نُيسِّر على مخرِج الزكاة، وعلى المستحق بالاستفادة منها فيما هو في حاجة إليه.

على أن جامعي "صدقة الفطر" عليهم أن يقوموا بتوزيعها بنسَب زمنية إذا استجاب أكثر الناس لهم.

ولعل السبب الأساسي الذي أرجِّح به هذا الأمر، أن بعض القائمين على هذا العمل ينشغلون عن الاعتكاف بمثل هذا الأمر والأولى أن ينتهوا من هذه الأعمال حتى يتمكنوا من الاعتكاف.

2- الأمر الثاني: أن بعض القوم بسبب قدومهم من سفر أو غير ذلك من الأعذار هل يخرجون "زكاة الفطر" بعد العيد؟

وخلاصة القول:

الحنفية: لا تسقط ولا بد من الأداء ولو بعد يوم الفطر.

الشافعية: المستحب ألا تؤخر عن صلاة العيد، والحنابلة قريبون من هذا الرأي.

المالكية: يجوز إخراجها بعد صلاة العيد ولا تسقط بمضي زمنها.

ولكنا نرشد إلى أهمية عدم تأخيرها، لأن من حكمتها المنصوص عليها "أغنوهم عن الطلب هذا اليوم" أي يوم عيد الفطر.

3- الأمر الثالث: إخراجها نقدًا.

وهذا ما يجوز عند الحنفية وأساس الدليل عندهم "أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم" والإغناء يحصل بالقيمة، بل أتم خاصة في بيئة ليس فيها طحن ولا عجين بل إن أمر الخبز مدعوم من الحكومة وفي إخراجها نقدًا مصلحة الفقير وهذا التعليل هو أساس الأمر، وبهذا أفتى في عصرنا هذا الشيخ الألباني والدكتور القرضاوي والكثير من العلماء.

وهنا نذكِّر أن المذاهب الأخرى لم تتوقف عند النص بل أجازوا إخراجها أرزًا أو من قوت البلد وهذا مما لم يرد في نص الحديث.

ونتمنى من الجميع حسن تقبل الرأي الآخر، وليعلم الجميع أن هذه الأمور الخلافية لن تنتهي وأن الأخوة والمحبة في الله من أسس وواجبات الإسلام.

4- أذكر إخواني أن العمل التطوعي في هذا المجال يجب أن لا يحرمنا من المحافظة على التراويح والاعتكاف: وأن تؤدى الأعمال في وقت ما قبل المغرب أو بعد التراويح، وإذا اضطررنا لننيب أحدًا عن هذه السنن المهمة فليكن بالتبادل وليس على أفراد بعينهم، وأن من تركته سنة التراويح أو قيام الليل فلا يغفل عن صلاتها في البيت قبل الفجر وليحرص على ذلك أو قبل الظهر.

وفقنا الله إلى طاعته ومرضاته.

 

الإسلام والصراع على النيل!

تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 


ربما يكون العنوان غريبًا, فما علاقة النيل كمجرى مائي بالإسلام كدين؟ وربما يقول قائل (مستنكرًا): ما هذا؟ أيُّ ربط هذا بين النيل والإسلام, وهل كل شيء يربط بالدين هكذا؟ وللإجابة عن هذا الأمر يمكن الاستفادة من نصيحة الرئيس الفرنسي الكبير شارل ديجول، الذي قال يومًا: إذا أردت أن تفهم السياسة فانظر إلى الخريطة!. خريطة النيل يجتمع نهر النيل في عاصمة السودان (الخرطوم)، ويتكون من فرعين رئيسيَّين يقومان بتغذيته وهما: فرع النيل الأبيض في شرق القارة، و"فرع النيل الأزرق" في إثيوبيا. يشكِّل النيل الأزرق نسبة (80 : 85%) من المياه المغذية لنهر النيل، وهو ينبع من بحيرة تانا الواقعة في مرتفعات إثيوبيا بشرق القارة. بينما يطلق عليه اسم "النيل الأزرق" في السودان، ففي إثيوبيا يطلق عليه اسم "آبباي"، ويستمر هذا النيل حاملاً اسمه السوداني في مسار طوله 1.400 كم حتى يلتقي بالفرع الآخر، النيل الأبيض، ليشكِّلا معًا ما يُعرف باسم "النيل" منذ هذه النقطة وحتى المصب في البحر المتوسط. نتيجةً للإمكانيات الهائلة التي يوفِّرها نهر النيل، فقد كان مطمعًا للقوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، فقد تحكَّمت الدول الأوروبية في دول حوض النيل في تلك الفترة، ومع انتهاء السيطرة البريطانية على مصر والسودان في الخمسينيات من القرن العشرين، تمَّ توقيع اتفاقية نهر النيل عام 1959م لتقسيم مياه النيل، وترفض أغلبية دول حوض النيل هذا التقسيم ويعتبرونه جائرًا من أيام التوسع الاستعماري. إثيوبيا والإسلام تذكر المراجع التاريخية أن الوثنية كانت هي الديانة الغالبة على الشعب الإثيوبي، بينما كان الحكم نصرانيًّا، وتعدُّ إثيوبيا هي الأرض الأولى التي وطأتها أقدام المسلمين، وتعرَّفت على هذا الدين العظيم قبل أن ينتشر في الجزيرة العربية، ويرجع ذلك الفضل إلى المهاجرين الأوائل من المسلمين، وقد توطَّن الإسلام وانتشر في تلك الربوع، حتى إن ملكها أصحمة (النجاشي) وعددًا من أصحابه دخلوا الإسلام وكتموا أمرهم خوفًا من تعصُّب البلاط النصراني، ولاقتراب المنطقة من الأراضي الإسلامية المقدسة، كان تأثير الإسلام فيها واضحًا، وقد ساعد هذا القرب الجغرافي على انتشار الإسلام في المنطقة، خاصةً سواحل البحر الأحمر؛ حيث حركة التبادل التجاري مع سكان الجزيرة العربية، وفي أوائل القرن الثاني للهجرة دخل الإسلام القارة الإفريقية عن طريق الدعاة القادمين من الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر؛ حيث نزلوا في ميناء زيلع في القرن الإفريقي، وازداد انتشار عدد المسلمين وتعاظمهم في القرن الخامس الهجري؛ حيث أسَّس المسلمون دولتهم في هذه المنطقة، واتخذوا من مدينة هرر عاصمةً لهم. ولقد توغَّل المسلمون بعد ذلك في الأراضي الإثيوبية، وكان معظمهم من الدعاة التُّجار الذين ينتمون إلى القبائل النازحة من الجزيرة العربية. أما في العصر العباسي فقد هاجرت مجموعات مضطهدة من أنصار أهل البيت إلى تلك الأرض واستطاعت أن تنقل القبائل الإثيوبية الوثنية إلى الإسلام، وساعدت على إنهاء الصراعات القبلية، ومنذ ذلك الحين انفصلت إريتريا عن إثيوبيا، وحُكمت بالإسلام كما هو شأن الأراضي الصومالية. لكنَّ وعورة الأراضي الجبلية الإثيوبية وصعوبة اجتيازها شكَّلت عاملاً من عوامل عدم انتشار الإسلام بسهولة فيها، كما هو شأن الأراضي المنخفضة والسهول؛ كاليتجراي وهرر. وكان لسيطرة المسلمين على الطرق التجارية المهمة أثر كبير في انتشار الإسلام، خاصةً بعد فتحهم منطقة (زيلع) وإشرافهم منها على طريق هرر التجاري المهم، ثم أنشئوا على هذا الطريق المؤدي إلى قلب الحبشة إمارات وممالك صغيرة، مثل زفات، أدل، مودة، جداية، وغيرها جنوبي نهر (هوش). وفي القرن العاشر الهجري ازداد قلق المسيحيين والأحباش من انتشار الإسلام؛ فبعثوا برسائل إلى كلٍّ من: الفاتيكان، وبريطانيا، وروسيا، وإسبانيا، يطلبون فيها تزويد المسيحيين بالسلاح؛ لإيقاف الزحف الإسلامي وإبادته، مدَّعين بأنهم محاصرون ببحر إسلامي يهدد كيان المسيحية في البلاد. بدأ الأحباش حربهم الغادرة على إمارة هرر الإسلامية، ووصلوا إلى مشارفها فتصدَّى لهم الإمام الفاتح أحمد إبراهيم وردَّهم على أعقابهم، ثم أعدَّ لهم جيشًا قويًّا وزحف بجيشه هذا حتى وصل مدينة أكسوم عاصمتهم آنذاك، وحكم البلاد زهاء 16 سنة، نشر فيها الإسلام حتى وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 90%، وانتشر الإسلام كذلك بين قبائل (سلامة) الحبشية المستقرة وما حولها من قبائل البدو، وكذلك دخل ملوك بلاد (كوشي) في الإسلام، وأصبحت مدينة هرر في مملكة (دوارة) مركزًا من المراكز الإسلامية المهمة، والتي كانت في أوج تطورها واستقرارها منطلقًا للإشعاع الفكري؛ حيث شهدت حركة فكرية إسلامية واسعة، بنيت خلالها المساجد ومدارس اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وكان فيها ما يقرب من (90) مسجدًا لا تزال باقيةً حتى اليوم، شاهدة على عظمة الإسلام ونفوذه، وقد كان معظم الدعاة من اليمن والجزيرة العربية ومصر، ومن مدينة هرر هذه انطلقت الحركات الجهادية التي كانت تدعو إلى توحيد المسلمين في تلك الأرض تحت راية واحدة لتشكيل الدولة الإسلامية الإفريقية الكبرى. وكان من أهم هذه الحركات حركة الإمام أحمد إبراهيم الفرَّان الجرافي، أمير هرر، الذي ما إن تعرَّضت إمارته لهجوم الصليبيين حتى دعا إلى الجهاد الشامل، وذلك سنة 1527م؛ لدرء الخطر عن الإمارة وفتح البلاد الوثنية والنصرانية. واصل الإمام أحمد الزحف بجيوشه حتى فتح إثيوبيا كلها، ووصلت جيوشه إلى منطقة التاكا السودانية، وسيطرت على مساحات شاسعة من أراضي إفريقيا الوسطى والشرقية، ولولا تدخل الغرب الصليبي- ممثلاً بالبرتغاليين الذين كانوا يجوبون سواحل المنطقة وبحارها بأساطيلهم الحربية وسلاحهم الناري المتطور حين استنجدت بهم الكنيسة النصرانية- لما تمكنوا من إيقاف زحف المسلمين، وخاض المسلمون معارك دامية ومدمرة استُشهد خلالها الإمام أحمد عام 1537م، وتفرقت جيوشه وطويت باستشهاده صفحةٌ مشرقةٌ من تاريخ المسلمين. وبقيت هرر بعد استشهاده بمدارسها ومساجدها مركز نشر الإسلام ودعوته بين القبائل هناك، وكان لمجيء الحملة المصرية بقيادة رءوف باشا عام 1875م إبان حكم الإمبراطور النصراني يوحنا- الذي كان شديد البطش بالمسلمين والتعصب للنصرانية- أثرٌ كبيرٌ في دخول المزيد من قبائل الأورومو في الإسلام وانتشار الدين بشكل واسع هناك، خاصة بعد سيطرة المصريين على زيلع وبربرا وهرر، لكن قيام الثورة المهدية في السودان وانسحاب الحاميات المصرية من المنطقة أدى إلى إضعاف إمارة هرر، خاصة بعد أن لحقت بالجيش المصري هزائم متكررة من قبل جيوش الحبشة بقيادة (منليك) الذي أصبح إمبراطورًا للحبشة بعد يوحنا. فسقطت الإمارة وهزم أميرها عبد الله علي عبد الشكور أمام جيوش منليك النصراني. ولا يزال المسلمون يشكِّلون الأكثرية بين سكان إثيوبيا الذي يبلغ 60 مليون نسمة، ففي العاصمة أديس أبابا وحدها تتراوح نسبة المسلمين من 30 إلى 36% من مجموع السكان، ولا زالت اللغة العربية الرسمية في 5 ولايات من بين 13 ولاية. والمسلمون هناك فئتان: الأولى: وهي أقلية من أصحاب الأموال والجاه والنفوذ. والثانية: وهي الغالبة فقيرة من الرعاة والمزارعين، وللمسلمين هناك مجلس يتولى إدارة شئونهم الدينية؛ حيث يُشرف على (160) مدرسة و (17) مسجدًا. التطور المُهدر! كان من الممكن للعرب أن يستثمروا ذلك التطور الإيجابي في إثيوبيا وإفريقيا عمومًا, وقد ظلَّت مصر على يقظة بالغة لتلك القضية حتى العهد الملكي وبدايات العهد الناصري من خلال إرسال بعثات الأزهر والدعاة والقراء للدول الإفريقية, وللأسف الشديد اُهدرت تلك الجهود فيما بعد, كما كتب بجلاء واضح الدكتور. حلمي شعراوي- مركز البحوث العربية والإفريقية- في كتابه القيم "الفكر السياسي والاجتماعي في إفريقيا", ليشعر المرء ببالغ الأسى عن غفلة صناع القرار عن التواصل مع نتائج وجهود المراكز البحثية في بلادنا!! جهود التنصير وغفلة العرب! لقد بدا جليًّا أمام القوى الغربية الاستعمارية أن الشمال الإفريقي يمثِّل بوابة عبور الإسلام لبقية إفريقيا, وهذا من شأنه أن يؤدي إلى وحدة المصير والهدف مع عمق الروابط الأخوية والثقافية, ولذلك بُذلت جهود كبيرة من دول ومنظمات لفصل تأثير الشمال على الجنوب, وكان منها ربط الشمال الإفريقي شمالاً صوب البحر الأبيض المتوسط (الاتحاد من أجل المتوسط مثالاً), كما تم تأسيس روابط إفريقية مستقلة عن الشمال كالكوميسا وغيرها, فالغرب الإفريقي الغي جوازات السفر فيما بينهم تأسيسًا لوحدته, وأصبح الجنوب الإفريقي قوة إقليمية كبيرة وكذلك الشرق الإفريقي!! في تلك الأثناء انشغل الشمال الإفريقي بحالة الصحوة الإسلامية التي سادت هذه البلاد, وبدلاً من استيعابها وحسن توظيفها وترشيدها باعتبارها مكونًا هامًّا لترسيخ الهوية, سادت حالة من العداء بين الأنظمة الشمالية والحركات الإسلامية, كما ساهم الغرب في ربط الإسلام بالإرهاب؛ ليؤدي إلى محاصرة الدعوة, وتركزت الإملاءات الغربية للأنظمة بتغيير المناهج الدراسية, ونشر الثقافة الغربية (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية) مما أدى إلى الخصخصة، ورسملة الاقتصاد، وشُرب البيبسي، وارتداء الجينز، وكشف بطون بعض الفتيات, واحتقار اللغة العربية, وتأسيس الجامعات الغربية على أرض البلاد الإسلامية, كل ذلك وغيره ساهم في تعميق الصراع, والانسلاخ التدريجي من هوية الأمة, فلم يكن غريبًا أن تعيش كل بلاد الشمال الإفريقي (مصر، وليبيا، والجزائر، وتونس، والجزائر، والمغرب) حالة صراع مع الإسلام على اختلاف درجات الحدة والصراع, بل والأغرب من ذلك فقد تولدت بين بلدان الشمال حالة من الفتور والخصومة وربما العداء, ولعل حالة مباراة مصر والجزائر تكشف بجلاء عن هذه القضية. في ذلك الوقت كانت جهود (الآخر) على قدم وساق في إفريقيا, فالغرب الذي يطالبنا بتغيير هويتنا واعتناق العلمانية, كان (ولا يزال) يدعم جهود التنصير عبر أعلى مستوياته السياسية والاقتصادية من خلال واجهات اجتماعية أو خيرية أو طبِّية أو إغاثية, ولذلك نرى كيف تغيرت نسب تعداد المسلمين في هذه البلاد هبوطًا بسبب الجهود التنصيرية من جهة والفراغ الدعوي القادم من الشمال من جهة, والجهود السياسية والاقتصادية الدولية من جهة أخرى, كما نشطت إسرائيل بشدَّة لتحتل ذلك الفراغ (فهذه البلاد لا تلعب!!)، وكان الأولى بنا (كعرب ومسلمين) أن تُبذل الجهود للمحافظة على الوجود الإسلامي في هذه الدول ترسيخًا للهوية وتحصينًا وتقويةً للروابط بيننا وبينهم، حتى في حالة السودان, كانت خصومتنا لحكومة البشير ذات التوجه الإسلامي, وكانت الروابط والعلاقات والاستقبالات الرئاسية لجون جارانج وقادة حركة تحرير السودان (تحرير السودان ممن؟ ومن أي شيء؟) دون النظر إلى خطورة انفصال الجنوب السوداني الملاصق لدول المنبع والساعي لتكوين دولة مستقلة مسيحية في جنوب السودان. الدوافع سياسية ثقافية وليست اقتصادية! لقد أظهرت الأزمة الحالية في استقلال دول المنبع في قرارها واتفاقها دون دول المصب أثار الغفلة العربية عن هذه الدول, وإذا كانت الدول الكبرى تسعى لتحقيق مصالحها عبر السياسة والاقتصاد والثقافة, فإننا تجاهلنا ذلك كله, وربما يقول قائل: إن الدافع لهذه الأزمة هو الدافع الاقتصادي لدول المنبع, وربما يكون ذلك صحيحًا, لكنه ليس الدافع الأهم وليس الدافع الرئيسي, فأغلب دول المنبع تعتمد على الأمطار في زراعتها, كما أن ما يجري على أراضيها من مياه النيل يكفيها وزيادة, لذلك فإن الدافع السياسي الذي يدعم الصراع الثقافي هو الأبرز بامتياز. جدار هنا وجدار هناك إن الداعين إلى تقزيم دور مصر داخل حدودها فقط دون النظر إلى أهمية الجار وعمق روابطنا به, هم الذين نادوا بحق مصر بناء جدار فولاذي بيننا وبين غزة (بين مصر وحماس, وليس بين مصر وإسرائيل!!), واستصدروا فتاوى تقول بحق مصر أن تفعل على أراضيها ما تشاء حفاظًا على أمنها القومي, فهل يكون مقبولاً الآن أن نؤمن بحق إثيوبيا أن تفعل على أرضها ما تشاء, فتقيم سدودًا على النيل عبر مشروعات كبرى لشركات إيطالية وصينية ويابانية؟ وأخيرًا: إن الحفاظ على هويَّتنا وعدم الانجرار وراء مساعي الغرب في طمس ومسخ هويتنا سيظل حصنًا حصينًا لوحدتنا وتحقيق مصالحنا, ولعل الصلح المجتمعي بين الأنظمة وشعوبها تحقيقًا للحرية والعدالة والديمقراطية والمحافظة على ثقافة أمتنا سيعمل على تقوية أمتنا أمام المخاطر التي تتهددها, وها هو الخطر أتى من صهاينة وغرب كنَّا نظن أن النفع في الركون إليهم, ولعل ذلك يُوقظنا من غفلتنا فننهض بأمتنا وفق ثقافتنا, نعمل لها وننشرها, فقد اتضح أنها أهم ركائز أمننا القومي الذي يتجاوز حدودنا الضيقة التي أراد أعداؤنا حصرنا فيها, وللأسف روَّج لذلك فريق من بني جلدتنا لكنهم ليسوا قطعًا من محبي ثقافتنا.

مصطفى كمشيش

 

د. البلتاجي يكتب من على أسطول الحرية

تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

أكتب هذا المقال بعد صلاة فجر يوم السبت 29/5/2010م من على ظهر سفينة (الحرية لغزة) التركية العملاقة الواقفة في عرض البحر بالمياه الدولية بالقرب من قبرص، في انتظار تجمُّع باقي السفن المكونة لأسطول (الحرية لغزة)، والمقرر أن يتجه إلى غزة بعد ساعات, ويوجد على ظهر هذه السفينة التي أقلعت بنا من مدينة أنطاليا بجنوب تركيا أكثر من 750 متضامنًا من أكثر من 40 دولة، من بينهم برلمانيون وسياسيون وحقوقيون وناشطون ينتمون إلى مؤسسات إغاثية وجمعيات أهلية من مختلف الأجناس والأعراق والأديان (على رأسها هيئة المساعدات الإنسانية التركية، وحركة غزة الحرة الأوروبية، وحركة شريان الحياة والحملة الأوربية؛ لكسر الحصار ووفود لحركات سويدية ويونانية وبريطانية, وكان من فضل الله أن انضم لهذه الجهود- هذه المرة- جهود عربية وإسلامية واسعة على رأسها المشاركات الجزائرية والكويتية والماليزية).

يتكون الأسطول من 8 سفن, 3 منها للشحن حملت أكثر من 10 أطنان من المساعدات (التي تميَّزت هذه المرة أنها لم تكتفِ بالأغذية والأدوية بل ضمت لأول مرة مواد البناء من حديد وإسمنت وحوائط جاهزة لإعمار ما دمرته الحرب الصهيونية على غزة من بيوت ومدارس ومساجد...), كما أن الجديد هذه المرة أن المساهمين في القافلة اشتروا السفن ذاتها؛ لتصبح آلية مستمرة لكسر الحصار عن غزة لحين انتهاء الحصار بشكل نهائي, وقد قُدرت تلك المساهمات الشعبية بأكثر من 10 ملايين دولار، كان أسخاها- إلى جانب المساهمات التركية الضخمة- المساهمات الجزائرية والكويتية والماليزية.

وصلت إلى إسطنبول (برفقة أخي د. حازم فاروق)، ومنها إلى مدينة أنطاليا (جنوب تركيا على الساحل الشمالي للبحر المتوسط) صباح الأحد 23/5/2010م, وبقينا هناك؛ حيث ترتيبات الشحن وتنسيقات وصول السفن القادمة من مختلف دول العالم (السويد- بريطانيا- أيرلندا- اليونان)؛ لتلحق بالسفن والوفود المنتظرة في تركيا, ورغم أننا كمصريين لم نشارك سوى بأجسادنا إلا أن الوفود العربية (التي شاركت بملايين الدولارات وبعشرات المشاركين) قد اختارتني رئيسًا لها (وهو شرف لا أستحقه إلا أنها دلالة مكانة شعب مصر في نفوس الأمة العربية).

خلال وجودنا في أنطاليا استمعنا عبر وسائل الإعلام إلى عروض صهيونية تقول: غزة!!! كما استمعنا لعرض من مسئولين مصريين بترحيب بالقافلة وباستعداد لإدخالها عبر العريش!!!.

عُقدت الاجتماعات تلو الاجتماعات واستقر قرار المنظمين بالإجماع على رفض هذه العروض؛ لأن الغرض الرئيسي من قافلة السفن هذه المرة هو كسر الحصار، وليس مجرد إدخال المساعدات، (هذا فضلاً عن رصيد التجربة المريرة التي عانتها قوافل "شريان الحياة"- بقيادة المناضل البريطاني جورج جالاوي- حين جاءت في المرة الأولى من غرب أوروبا مرورًا بشمال إفريقيا؛ لتدخل مصر عبر السلوم, وفي المرة الثانية من شرق أوروبا مرورًا بتركيا وسوريا؛ لتدخل مصر عبر العريش, ومرة ثالثة حين جاءت رأسًا؛ لتشتري المساعدات من القاهرة, ولاقت هذه القوافل الثلاث ما لاقته من عنتٍ ومضايقات، ورفضت السلطات دخول بعض المساعدات، واعتبروا كل المشاركين في القافلة الأخيرة غير مرغوب فيهم مصريًّا).

علَّق المتحدث باسم وزارة الخارجية الصهيونية على القافلة فقال: إنه لا يوجد حصار على غزة، وأن البضائع والمساعدات جميعها تدخل إلى غزة، ولا يوجد ما يستدعي هذا العمل الدعائي الذي لن تسمح به دولته, سمعنا أن معبر رفح تمَّ فتحه لعبور قافلتين من الإمارات العربية تحمل عديدًا من شاحنات المساعدات!!!.

وهنا فقط أُذكِّر بخطورة أن يتم فتح وإغلاق المعبر بما يخدم المصالح الصهيونية؛ حيث يُغلق حينما يكون مطلوبًا صهيونيًّا الضغط على أهل غزة- كما حدث أثناء الحرب عليها!-، ويفتح حين يكون مطلوب تبييض وجه الكيان الصهيوني أمام الرأي العام العالمي، ورفع الحرج عنه, على كل حال فقد قرر المشاركون أن الهدف هذه المرة ليس مجرد توصيل المساعدات ولكن كسر الحصار, بمعنى أن من واجبنا أن نتساءل بكل قوة:

إلى متى تعيش غزة وحدها- دون باقي مدن العالم كله- في عزلة وانقطاع وسجن كبير؛ حيث لا مطار جوي ولا ميناء بحري، ولا منافذ برية طبيعية يتواصلون من خلالها مع باقي البشر؟!

لماذا أهل غزة- دون غيرهم من البشر- لا يحصلون على ضرورات حياتهم من طعام وشراب ودواء- فضلاً عن الكماليات التي هي أيضًا من حقهم كبشر- إلا تهريبًا من خلال الأنفاق وبأغلى الأسعار؟!

لماذا مرضى غزة يُمنعون من العلاج المناسب فيموتون؟!، ولماذا طلاب غزة- دون غيرهم- يمنعون من الخروج لتحصيل العلم؟، ولماذا حجاج غزة- دون غيرهم- يُمنعون من أداء الفريضة أو مناسك العمرة؟

ولماذا أهل غزة- دون غيرهم من البشر- يُمنعون من التواصل مع أهليهم وذويهم خارج غزة إلا لفترات محدودة ولأشخاص محدودين وبتصاريح من عدوهم؟

ولماذا بيوت ومدارس ومساجد غزة- دون غيرها- إذا تعرضت للتدمير لا يملك أهلها إعمارها؟! ولماذا بنوك غزة دون غيرها من مدن العالم لا تستقبل التحويلات البنكية؟

ولماذا أهل غزة- دون غيرهم من الشعوب- يُعاقبون على اختيارهم لحكومتهم المنتخبة من خلال أنزه انتخابات عاشتها المنطقة العربية؟!

أما آن لكل هذه الجرائم ضد الإنسانية أن تتوقف؟!

لقد استمرت جريمة الحصار بكل ما ترتب عليها من جرائم في تزايد مستمر عبر السنين (بالمناسبة تمَّ هدم وتدمير مطار غزة الدولي الذي كان يستوعب 700000 مواطن فلسطيني سنويًّا في ديسمبر 2001م), واستمر الحصار بشكل كامل منذ 2007م, وحرِص الكيان الصهيوني على تطبيع الحصار وتعويد العالم كله عليه, وشاركت حكومات وأنظمة في الحصار، وصمتت الشعوب (التي لم تملك من أمرها شيئًا)؛ لحين وقع العدوان الصهيوني البربري على المحاصرين في ديسمبر 2008م, فقام أحرار العالم ليعلنوا أن الصمت لم يعد ممكنًا, وأنه إذا قبلت الحكومات والأنظمة بذلك- رضًا أو عجزًا- فإن الشعوب تستطيع أن تصنع شيئًا, ومن ثم تجيء هذه الحملة لتكسر الحصار بنفسها- بالدخول بحرًا إلى غزة ولتفتح الطريق- مرة بعد المرة- أمام الملاحة البحرية من وإلى غزة, ولتهدي هذه السفن لأهل غزة لاستخدامها في التواصل مع العالم من حولهم.

طرح الإعلاميون المرافقون للقافلة علينا السؤال مرارًا: ما السيناريوهات المتوقعة أمامكم؟, كما استمعنا في الأيام الثلاثة الأخيرة لتهديدات الصهاينة وتحذيراتهم "ليس فقط بأنهم لن يسمحوا بمرور القافلة وبوصولها إلى غزة, ولكن بلغنا قرار مجلس الوزراء الصهيوني المصغر الذي عهد للجيش بمهمة التصدي والمواجهة للقافلة لتتحول من مهمة سياسية إلى مهمة عسكرية), ثم زفت إلينا وسائل الإعلام الخبر أن الجيش الصهيوني قد أعد عديدًا من الخيام والمعسكرات في أسدود بغرض اعتقال كل من على السفن, تدارسنا الخبر واستقر الرأي بالإجماع على المسير قدمًا إلى غزة رأسًا, وعدم التجاوب مع أي عروض بديلة وعدم الالتفات للتهديدات والتحذيرات.

وأعلن القائد العظيم بولنت يلدرن (رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية التركية) مرة تلو المرة أنه ليس أمامنا من خيارات سوى الدخول إلى غزة بحرًا (لتحقيق كسر الحصار عن الشعب المحاصر) مهما لاقينا من صعوبات, فإن منعنا فسنصر على مسيرنا فإن اعتدى علينا (ولو بالقتل أو الأسر) فلسنا أغلى من مليون ونصف مليون يتعرضون للقتل والأسر والجوع والحصار, ولن يعدو ما يحدث لنا أن يكون جريمة جديدة تُضاف لسلسلة جرائم الكيان الصهيوني (التي تسلسلت من دير ياسين وكفر قاسم إلى قانا وجنين وخان يونس، وما سجله تقرير جولدستون عنا ببعيد)؛ لكن الجريمة هذه المرة ستكون ضد ممثلين لأكثر من 40 دولة، ولعلها- هذه المرة- توقظ ضمير الإنسانية، فيتحرك ضد هذه الجرائم ويرفض الصمت ويقف معنا يعلن أن الصمت لم يعد ممكنًا.

هذه هي رسالتنا التي نريد بثَّها.. إما أن تنجح مهمتنا لكسر الحصار ومن ثَّم تتواصل المهمة؛ لحين إنهائه, وحينذاك نستطيع كشعوب أن نتقدم لمواجهة باقي جرائم الصهيونية (التي أساءت للبشرية ووصمت جبينها بالعار), سواء تلك التي تقع على الشعب الفلسطيني في غزة المحاصرة, أو تلك التي تقع عليه في الضفة من (طرد وسحب هويات وإغلاق وحواجز عسكرية ومصادرة أراضٍ ومطاردات وملاحقات واعتقالات)، أو في القدس من (حفريات وتهديد مقدسات وتهويد أحياء وهدم بيوت وبناء مستوطنات)، أو حتى في الشتات من منع حق في العودة للديار بالمخالفة لكل شرائع وقوانين الأرض والسماء.. أو أن نوقظ ضمير العالم بما يرتكبه الكيان الصهيوني ضد مشاركين في عمل إنساني وصولاً لانتفاضة إنسانية عالمية شعبية ضد كل جرائم الاحتلال بل ضد الاحتلال ذاته.

نقدِّر أننا أمام عدو من ورائه معسكر يمتلك من العدة والعتاد والأموال ما ليس لنا به قبل بحسابات المادة؛ لكني أنقل إليكم مشاعر وروح التحدي والإصرار والعزيمة التي تملأ قلوب وتعلو وجوه كل المشاركين في القافلة (حتى من غير المسلمين).

ترى ماذا ستسفر عنه الساعات المقبلة... أتصور أننا أمام لحظة فارقة في تاريخ الأمة بل في تاريخ البشرية حين يتحرك ممثلون لكل الأجناس والأعراق والأديان في إصرار على الدفاع عن قيم الحق والعدل والحرية، وفي محاولة لتحسين وجه الإنسانية الذي تلطَّخ طويلاً.

أتقف الشعوب موقف المتفرج أم تناصر هذا التحرك وتعضده وتقف في وجه خصومه بكل قوة حتى ينتصر؟!!

----------------

* د. محمد البلتاجي- الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.

   

الطوارئ الشاقة المؤبدة!!

الطوارئ الشاقة المؤبدة!!

المستشار /فؤاد راشد

دأب المنافقون المضللون على ترويجٍ وهم يوقنون كذبه, مؤداه أن حالة الطوارئ إنما ترسخت حمايةً لأمن مصر في الداخل والخارج, وفي اللغة فإن الطارئ هو الأمر العابر، ويُطلق على كل نازلة أو مصيبة لا تدوم إلا لأيام، وأخصها المآتم, ولقد حضرت ذات يوم نقاشًا بين مدير أحد مستشفيات الطوارئ وأهل مريض طلبوا إكمال علاجه بها، بينما رفض الرجل- مقررًا في حزم- أن اسم المستشفى مستمد من مهمته، وهي مجابهة الحالات العاجلة العابرة فقط.

في البلاد التي تحترم حكوماتها كرامة شعوبها؛ لأنها أتت بكلمة الشعب ولخدمته لا يكون هناك دجل مما نراه ولا باعة للوهم، ولا تستند المناصب إلا عن جدارة واستحقاق, أما في مصر المكنوبة بحكم الطوارئ المؤبدة عدوانًا على الناس واللغة معًا، فإن المؤهل الأهم لشغل بعض المناصب هو انعدام الضمير، وربما صاحبه انعدام الكرامة حتى بالمعنى الإنساني، وبعض هؤلاء عاطلون عن الموهبة، وقد ساقتهم أقدار الزمن الأسود ليتسنموا مقاعد جلس عليها من قبل سادة كرام أعزة, وإنما جيء بهم لأداء مهمة محددة؛ هي ممارسة كل صنوف الدجل والكذب والتضليل, من قبيل أن مصر تحيط بها الأخطار من كل صوب وحدب، وأن الطوارئ هي حصنها الحامي المنيع!

إن هؤلاء الكذابين يعرفون حق المعرفة أن الطوارئ هي الأب الشرعي لا لدفع الخراب، وإنما لجلبه, ونحن لا نحصي- في مقال- كل تداعيات نكبة الطوارئ، وإنما نمرُّ مرورًا عابرًا من باب التذكرة.

بموجب الطوارئ تحوَّلت مصر إلى معتقل كبير حقًّا وصدقًا لا مجازًا, وعطل القانون بل والدستور الذي يقرر حصانة الحرية الشخصية للمواطن، وأنها لا تمس إلا بحكم من قاضيه الطبيعي, وصار المتهم في القضايا السياسية لا يلقي بالاً إلى قرار القضاء الإفراج عنه، بل إنه حتى الشرطي الذي يقتاده لا يلقي بالاً للقرار, وسادت ثقافة العدوان على أحكام القضاء، وأضحت فلسفةً مستقرةً, فالأحكام تُنفذ بشكل انتقائي، فبعض الحكام تركب عند التنفيذ صاروخًا عابرًا، وبعضها يمتطي ظهر سلحفاة، وبعضها يموت كمدًا لطول إهماله, وقد شهدنا قرارات متتالية تصك وتنفذ في يوم أو بعض يوم بحق بعض المغضوب عليهم, بينما صدرت أحكام متتالية بالإفراج عن البعض، فلم يُفرج عنه، وصدرت أحكام بعودة إحدى الصحف للصدور فلم تعد, وكان من جرَّاء شيوع فلسفة البلطجة القانونية أن الدولة تتردى بكل سطوتها وقيمتها إلى مستوى محترفي إهدار القانون، فتقيم إشكالات في أحكام القضاء الإداري أمام محكمة عابدين الجزئية، بينما طلاب السنة الأولى بكليات الحقوق يعلمون أن هذه فضائح قانونية, ويتولى الإشراف على تعطيل القانون نفر من أساتذة القانون وبعض من أمضوا أكثر عمرهم في خدمة العدالة، ثم أبوا إلا أن يختموا حياتهم بإهدار العدالة والقانون وإضاعة هيبتهما.

وتختلف التقارير في أعداد مَن نالتهم بالأسر حالةُ الطوارئ، ولكنهم في الحد الأدنى يقتربون من المائة ألف أسير, وهم أسرى بغير حماية دولية، فأسرى الحرب أفضل منهم حالاً من حيث المعاملة ومن حيث الأمل في إطلاق سراحهم ضمن صفقة تبادل للأسرى, ثم إن من خلفهم دائمًا دولة لا تنام الليل، مطالبةً باستعادتهم وتكريمهم, على خلاف أسرى الطوارئ فإن الواحد منهم ربما أُفرج عنه اليوم وأُعيد غدًا، فقد صارت قرارات الاعتقال ترتبط بمناسبات تعرفها الشرطة، ويعرفها مقدمًا ضحاياها كقرب الترشح لانتخابات برلمانية أو وقوع عدوان على مقدساتنا في فلسطين وما على شاكلته, وبينما يعتبر الأسير في وطنه بطلاً قوميًّا فإن أسرى الطوارئ تطاردهم وأسرهم لعنة الغضب الأمني عليهم، فيُحال بينهم وبين ذويهم من الالتحاق بالوظائف العامة.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى فإن عصرًا يُعلن أنه (أزهى عصور الديمقراطية) رأى أن الطوارئ وحدها لا تكفي لبث الذعر والهلع والإذلال للمواطن, فأنشأ قضاءً عسكريًّا موازيًا للقضاء المدني، تعميمًا للكبت وإهدارًا للدستور, والآن صار من الطبيعي أن تساق سيدة إلى حيث تقف أمام ضابط ليحاكمها محاكمة عسكرية، فالقانون لا يفرِّق في طلب بث الرعب بين رجل وامرأة!

ولو أنك سألت أحدًا من الأفاقين عديمي الموهبة والضمير أليس إنشاء قضاء عسكري موازٍ للقضاء المدني عدوانًا على الدستور؟! لأورد لك ألف حجة عن مصر المستهدفة والمحوطة بالمؤامرات, ولم يستح لو ذكرته بأن المواطن في دولة الصهاينة ليس محكومًا بالحديد والنار، وهي دولة قامت وتحيا في بحرٍ من العداء, ومع هذا لا تهدر كرامة الصهاينة ويطبق القانون على الكافة, ولا نسمع عن تبريرات ساقطة وحجج ممجوجة عن العداء العربي تبريرًا لإهانة المواطن وإهدار كرامته وترويعه، وإطلاق يد الأمن تخرب حياته, بل إن من المخزي أن صوت الناخب العربي من المحيط إلى الخليج لا يُحترم إلا بالكيان الصهيوني!

في ظل الطوارئ صار الأمن هو السيد والحكم, وأصبح الكبت والقهر عنوان المرحلة, بل لقد جاهر وزير الداخلية بأن المكالمات تُسجَّل، وأن من يخشى العواقب عليه أن يمسك لسانه, قال ذلك سعيدًا ضاحكًا.

وفي ظل حكم الطوارئ، وبقدر انكماش الحريات، وضياع الحقوق وإهدار القانون؛ فإن هناك فسادًا فاجرًا متوحشًا سافلاً قبيح الوجه, وصار الناس يسمعون كلامًا مما يقع في حكايات ألف ليلة وليلة عن ملايين تُهدر لإرضاء نزوة عابرة, وبعض ما أنفق على بعض امرأة مغامرة كان يكفي لتوفير مسكن لعشرة آلاف مشرد, ولكنه المال الحرام تعرف ساعة إنفاقه على الشر أنه ما أُوتي إلا من باب شر وسوء.

وفي ظل الطوارئ المؤبدة انهار التعليم, وصار الحرم الجامعي مستباحًا للأمن، وأصبحت تقاريره رعب الأساتذة, وأذكر أن أستاذًا جامعيًّا بإحدى كليات الطب علم بالصدفة خلال حديثي معه أنني أعرف عميد كليته, فراح يلح عليَّ أن أمكنه من لقائه، وخلال إلحاحه، قال جملة كانت غريبة على أذني، فلما استطلعت وجدتها معلومًا بالضرورة في نطاق الحرم الجامعي, قال لي إنه يذهب في انتظار لقاء العميد فلا يقابله بحجة كثرة شواغله، وأنه خلال بعض نوبات الانتظار دخل مساعد شرطة من أمن الدولة دون مرور على السكرتارية، وفي أثره زجاجة المياه الغازية تحيةً للضيف الكريم!

ومن المُسلَّم به أن للأمن القول الفصل في كل أمر ذي أهمية داخل الحرم الجامعي، فلا يُعيَّن لا المعيد ولا العميد إلا بعد الفحص الأمني!

وفي ظل الطوارئ الأبدية تردت الصحة، وصار ثلث مرضى الكبد في العالم مصريين, وراح يُضاف كل عام مائة ألف مريض بالسرطان, ذلك الذي صار بدوره مرضًا متوطنًا، ولعله القرين المرضي لحالة الطوارئ المتوطنة!

وفي ظل الطوارئ تشرد ملايين بغير عمل, وملايين بغير مأوى، وتنامى سكان القبور من الأحياء, وصار لدينا دولة صغيرة من أطفال الشوارع هائمين بلا أهل ولا مأوى, وهم وحدهم قنبلة لو وجدت في أمريكا لما نام رئيسها الليل فرقًا ورعبًا.

وفي ظل الطوارئ تم بيع القطاع العام وشُرِّد عماله, وليس لأحد الحق في أن يسأل بكم بيع هذا والي أين ذهب عائده؟, بينما تدوي في أذني وآذان الملايين صرخات صديقي الكريم المهندس يحيى حسين عن كوارث بيع القطاع العام بأبخس الأثمان، وعلى نحو يثير ألف علامة استفهام.

وفي ظل الطوارئ تبخَّر دور مصر على الصعيد الدولي، وصارت تابعةًَ للإملاءات الصهيونية والأمريكية، وبدت مستسلمةً تمامًا للابتزاز، فمع كل نظرة بعين حمراء أو لفتة إلى الكبت العام والاستبداد يجري دفع الثمن من مستقبل مصر حتى إنها تبيع للعدو الغاز مدعومًا, وصارت مصر لا تنتفض لقتل جنودها على الحدود، ولا لتهديد منابع نهر النيل شريان حياتها، ولا تقسيم السودان, بل مما نشر ولم يجر نفيه أن مصر ساعدت الانفصاليين في جنوب السودان تمامًا، كما نشر الجنرال الأمريكي شوارتسكوف أن مصر حرضت على ضرب العراق، ولم ينفِ أحد ما قاله, وصارت مصر لا تنتفض ولا تستأسد إلا لأمور تافهة وفي مواجهة الأشقاء؛ حيث رد الفعل مضمون لأخطر منه, مثلما تطوع بعض الشتامين بأقذع الألفاظ بحق إخواننا وأهلنا في أرض المليون شهيد, ولم تعد لمصر من أمجاد في ظل حالة الطوارئ إلا أن تفوز في لعبة لا تقدِّم ولا تؤخِّر، فتنطلق الأبواب لتعلن أن مصر اليوم في عيد!! بل راحت مصر بكل تاريخها العظيم تدخل في خصومات مع بعض القنوات الفضائية.

هل لنا أن نسأل أحد.. ماذا يفيد الوطن والمواطن من الطوارئ بعيدًا عن الدجل وتسويق الوهم؟ لا فائدة قطعًا للوطن والمواطن, ولو كانت مصر تحكم حكمًا ديمقراطيًّا ما كنا بحاجة لا إلى جيش من الأمن المركزي، ولا إلى قضاء عسكري، ولا إلى جيش من العسس في كل مكان؛ لأنه حيث يجيء الحاكم بإرادة مواطنيه فإن الثقة تسود بين الطرفين, إذ يكفي استطلاع للرأي العام لترك الحكام مقاعد السلطة, ولعلنا نذكر أن أحد أعظم رجالات القرن العشرين وهو شارل ديجول مضى بغير انتخابات، بل باستطلاع للرأي العام حول أمور طرحها، فلما اعترض أغلبية الناس ترك رئاسة فرنسا, ولم تخرج جيوش فاقدي الشرف والضمير لتقول له (بالروح بالدم سنكمل المشوار!)، ولا قدم له أحد مبايعات بالدم, ولا راح المنتفعون يذكرون الفرنسيين بأفضال ديجول على فرنسا، وقد قاوم الاحتلال الألماني يومًا وحده.

لقد ضاقت الصدور وبلغت القلوب الحناجر، ويخشى كل عاقل أن تندفع البلاد إلى حالةٍ من الفوضى، وساعتها لن تنفع جيوش الأمن ولا جيوش المضللين؛ فهل يفيق الواهمون؟!!

-------------

* رئيس محكمة الاستئناف

 

حوار مع الدكتور محمد البري

حوار : صهيب عبد المقصود


*  جبن اليهود والصحوة الإسلامية هو ما يمنع اليهود من هدم المسجد

*  القرابة مع النبي (صلي الله عليه وسلم) قرابة عقيدة ونور وإيمان

*  إذا صدقت نيات وطموحات المسلمين فسنري المعجزات

*  ما ينبغي أبدا أن يقف شباب الإسلام موقف المتخاذلين

*  لا يقف العلماء إلا بشوكة السلطان والحكم

*  اليهود يخشون المواجهة ووحدة المسلمين

*  اليهود نري منهم من يشهد بان الحق لنا

*  أي تدخل مباشر يعني زوال إسرائيل

*  لن تقوم للأمة قائمة بدون علمائها

*  ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا


 ما تفسيّر فضيلتكم لضعف الأمة الإسلامية وتحزبٌ الأعداء عليها في الوقت الراهن؟


 الأمة الآن تلغي الجهاد في سبيل الله وتتخاذل وتتقاعس عن قضايا ومقدسات المسلمين وعلي رأسها المسجد الأقصي فالبعض منهم يظن بفهمه الخاطئ أن الجهاد فيه تهلكة وأتلاف للأموال والأولاد "روى أبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم عن أبي عمران قال : كنا بمدينـة الروم فأخرجـوا إلينا صفـا عظيمـا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسـلمين على صف الروم حتى دخـل بينهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكـة ، فقام أبو أيـوب رضي الله عنه فقال : يا أيها الناس:إنكم لتؤولون هذا التـأويل، وإنما نزلت فينا الآيـة معشـر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقد قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه ، فلما أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها أنـزل اللّه تعالى ما يرد علينا ما قلنا


 (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقـوا بأيديكم إلى التهلكة) وكانت التهلكـة الإقامة على الأمـوال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم."


وهذا يفسر حالنا فما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلهم الله (سبحانه وتعالي)


لماذا لم يقدم اليهود على هدم المسجد الأقصى إلى الآن في خطوةٍ مباشرةً مع توافر الأساليب المادية لديهم ؟


ستتضاعف أعداد الفدائيين والمنكرين لهذا العدوان وسيعتبّر عدوانا صارخا على شرف الإسلام وشرف القران وشرف محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهو خوف من استكمال الصحوة الإسلامية ؛ وهم يعلمون ذلك ويعلمون أن المسلمين إذا صدقت عزيمتهم لن يقف حائل بينهم وبين تحقيق محو العار عن جبين الإسلام أبدا ؛ لن يقف أحدٌ على حد المنع من تنظيف الساحة وتطهيرها مهما كانت الظروف .


مّا هو أثر وحدة المسلمين على مخططاتٍ اليهود تجاه قضية فلسطين ؟ 


إن وحدة المسلمين فيها تجمع واليهود بطبيعتهم جبناء والله سبحانه وتعالى فضحهم في كتابه العزيز فقال سبحانه وتعالى " ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوٓا إلا بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس " . فهم يعلمون أنهم لن تقوم لهم قائمةٌ إلا بالحبلين " حبل من الله وحبلٍ من الناس وضربت عليهم الذلة والمسكنة " ولما دعوا إلى الدخول وجاءهم الأمر من السماء " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم " رفضوا وذلك لأن جبنهم شديد فهم يخشون المواجهة مع الفدائيين الأبطال .


وماذا لو أقدم اليهود فى خطوةٍ مباشرةٌ على هدمه ؟


 إن أي تصادم مباشر ستطير له العقول في أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم) وسيتحركون بصورة لم يدر عنها العدو من قبل .


وما الواجب على القيادة وولاة الأمر فعله في مثل هذه الظروف ؟


الواجب على القيادة فعله احتضان الصفوة من العلماء وتحركهم بإرادة وهمة عالية ومضاعفة لتحقيق الأمل وبعث روح العزة من جديد.


وكيف نتوقع النصر في ظل انشغال السلطة عن هذا الجانب ؟


لا يقف العلماء إلا بشوكة السلطان والحكم ولن تقوم للأمة قائمةً بدون ذلك وطالما أن السلطة في طريق والعلماء في جانب أخر فلن تتوقع أبدا إلا بقدرٍ الله لكي لا نغلق باب الأمل والرجاء وهو موجودٌ ووالله لن تعدم خير أمةٍ أخرجت للناس أن يخرج من صلبها أهل الإخلاص وأهل الغيرة الإيمانية والله يسخر من يشاء لمثل هذا الشرف بإذن الله تعالى ، نحن لا نيأًس من رحمة الله ومن فضله أبدا لمحو العار عن جبين خيرٌ أمةً أخرجت للناس .


ما تقدير فضيلتكم لما حدث أخيرا وما يقدم عليه الصهاينة من تغير المسميات وضم المقدسات الإسلامية علي قائمةً المغتصبات الصهيونية وتأثيره علي هويةٌ الأرض ؟


هذه التغيرات يقصون من ورائها أن توضع البصمات الأثرية الإسلامية في ذمة التاريخ وأن توضع عليها الحجب وتنزع منها المعالم الأثرية القرآنيّة . 


وما السبيل لمواجهة مثل هذه المخططات؟


إذا كان هناك صدقٍ في اللجوء إلي الله وصدق في العزائم وإذا صدقت نيات وطموحات المسلمين فستري المعجزات تحقيقا لقول الله جل وعلى ( إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) .


ما هو موقعٌ ودورٌ الشباب الحقيقي من قضايا الأمة وعلي رأسها قضيةٌ فلسطين والمسجد الأقصى؟  


معاشر أبناء محمدٍ (صلي الله عليه وسلم) ما كان ينبغي لنا أن نغفل أو أن نتغافل, ما ينبغي أبدا أن يقف شباب الإسلام موقف المتخاذلين والمتقاعسين والمتكاسلين ومن لا حق لهم , ومن ينصف الحق لنا سوي منهم بعضهم ؟! فاليهود نري منهم من يشهد بان الحق لنا وأن الشرف والعزة لرايتنا ومنهم من يفقه أن صدق الأحقية للمسلمين مهما طال الأمد .


في ظل ما نحن فيه نري أن حرص أهل الباطل علي الباطل أكثر أحيانا من حرص أهل الحق علي الحق فما الرسالة التي توجهها إلي من يتغافل عن قضايا الأمة من شباب المسلمين؟


مما يحزن الفؤاد ويدمي القلب أن تري من أبناء الفرسان والأبطال ومن أحفاد تلاميذ المصطفي (صلي الله عليه وسلم) من يتغافل ويصرف النظر ويتجاهل ولا يفهم ولا يكلف نفسه بأن يفهم موقعه الحقيقي من القضية وموقفٌ الأعداء والفوارق بيننا وبينهم في الاستعداد والعزائم وربط النية لظلمٌ المسلمين ظلما وزورا وعدوانا , هذه لفتات ينبغ أن توضع في الاعتبار لشبابٍ الإسلام ويكفيه انتسابه إلي النبي (صلي الله عليه وسلم), فالقرابة مع النبي (صلي الله عليه وسلم) قرابةٌ عقيدة ونورٌ وإيمان وليست قرابةٌ دم ولحم :


أهل النبي هم أصحاب ملته       علٌّـي الّشريعـةٍ من عجّــم ومن عرب


لـو لـم يكن لّــه إلا قــرابته       صلي المصلي علي الطاغي أبي لهبٍ


 أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل منكم طلائع العز والنصر والتمكين وبياض الوجه والنصرة علي الأعداء ومحو العار عن شرف الإسلام وجبينٌ المسلمين .

                                                                                                                                                        المصدر: موقع منارات

   

الصفحة 1 من 16

<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>