القرب إلي الله بالاجتهاد والتميز الدراسى

شرعية طلب العلم وأهميته :
1- فضل طلب العلم
(من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة)
للعلم منزلة عظيمة في الإسلام؛ فأول آيات نزلت في القرآن الكريم كانت دعوة إلى التعلم:
اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ .
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ .
1- أول كلمات السماء إلى الأرض:بعد قرون من الجهل والظلام: قراءة ثم قراءة وعلم من بعد علم ولم يبدأ الوحي بكلمة (أعبد) أو (صل) مثلاً رغم أن العبادة هي غاية الخلق والصلاة هي قمة العبادة إلا أن ذلك لا يتم إلا بالعلم .
2- ذكر أدواته:ولئن كانت أداة العلم قلم يكتب به ودواة بها المداد ومادة يكتب عليها فإن الله تعالى أقسم بهذه الأشياء كلها في قوله تعالى ن.والْقَلَمِ ومَا يَسْطُرُونَ في صدر سورة تسمى باسم "القلم" في أوائل ما نزل من القرآن العظيم، تنويهًا بعلو شأن العلم وأدواته التي لا يتم تحصيله إلا بها.
3- أحسن ما فيه سبب للتكريم على الملائكة:والله عندما أسجد الملائكة لأبينا آدم أظهر لهم أحسن ما فيه وهو العلم قال سبحانه وتعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ . قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ، فدل ذلك على أن أهم ما يميز الإنسان ويعلي قدره إنما هو العلم، وليس بقوة بدنه فإن الجمل أقوى منه، ولا بعِظَمه فإن الفيل أعظم منه ولا بشجاعته فإن الأسد أشجع منه ولا بأكله فإن الثور أوسع بطنًا منه وصدق رحمه الله:
حياة الفتى والله بالعلم والتقى إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته
4- أهم ما كلف به الإنسان:وفي صدر سورة (الرحمن) والتي اشتملت على كثير من نعم الله علينا يقول سبحانه الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ القُرْآنَ . خَلَقَ الإنسَانَ . عَلَّمَهُ البَيَانَ ويلاحظ أن كلمة (علم) وردت مرتين في آيتين في سطر واحد، وذكر بينهما نعمة خلق الإنسان إشارة إلى أن من أهم ما كلف به الإنسان وميز به: نعمة العلم.
5- شهادة العلماء لله:وقرن الله سبحانه بين شهادته لذاته بالوحدانية وشهادة ملائكته الأبرار له بشهادة أولي العلم تنويهًا بعلو مكانتهم قال سبحانه شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إلَهَ إلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ .
يرفع الدرجات:وقال تعالى يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ
6- اختصاص بالخشية:وقد اختصهم سبحانه بصفة الخشية من بين عباده جميعًا فقال إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ*
ومن الملفت للنظر كثرة ذكر العلم في القرآن الكريم:فالإشارات القرآنية الدالة على احتفاء الإسلام بالعلم والبرهان والحكمة والعقل والفقه والنظر كثيرة حتى إن كلمة (علم) وحدها وردت بتصريفاتها المختلفة فيما يقرب من 900 آية من القرآن الكريم في الوقت الذي نرى فيه أسفار العهد القديم والعهد الجديد خالية عن الكلام عن العلم أو النظر أو الفكر أو البرهان أو ما اشتق منهما أو تفرع عنها.
7- طريق للجنة وتؤكد السنة النبوية المشرفة مكانة العلم السامية؛ لذلك جعلت السعي في طلب العلم موصلاً إلى الجنة، "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" .
8- ثواب لا ينقطع:وثواب العلم يصل إلى صاحبه حتى بعد وفاته من غير انقطاع، قال : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" .
9- تحف طالبه الملائكة:والملائكة تحف طالب العلم بأجنحتها، قال : "إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها"
10- طالبه قريب من الأنبياء:وروى عن الحسن أن رسول الله قال: "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة" .
11-طلبه فريضة:وفي الحديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
12- طلبه جهاد:عن أنس بن مالك عن رسول الله قال: "من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع" [أخرجه الترمذي وحسنه].
وفي التعليل لكون طلب العلم لونًا من ألوان الجهاد -بل هو في قمته- يقول الإمام ابن القيم: "إنما جعل طلب العلم من الجهاد في سبيل الله لأن به قوام الإسلام كما أن قوامه بالجهاد، فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان، هذا المشارك فيه كثير، والثاني جهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه، قال تعالى في سورة الفرقان: "ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا، فلا تطع الكافرين، وجاهدهم به جهادًا كبيرًا" فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين..".
• ولأجل هذا جاء القرآن الكريم آمرًا بطلب العلم بوصف النفرة، وذلك في قوله تعالى: ومَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ، وذلك يجعل العلم والجهاد في موقع واحد، كما أن سياق الآية - وقد سبقها ولحقها حديث عن الخروج لجهاد الأعداء في سورة التوبة يضع الاهتمام بالإعداد العلمي للمسلمين على قدم المساواة مع الإعداد العسكري.
• ولذا قال الصحابي الجليل أبو الدرداء : "من رأى أن الغدو في طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله".
13- شركه خير ويقول أيضًا : "العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس همج لا خير فيهم".
14- طلب العلم أفضل من القيام ويقول أيضًا: (لأن أتعلم مسألة أحب إليَّ من قيام ليلة).
ويقول : (مذاكرة ساعة خير من قيام ليلة) ولكن لك في الإجازات متسع كبير للقيام
15- سبب التكريم:ويقول الإمام الحسن البصري : "لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم".
وفي هذا المعنى يقول الشاعر محمد إقبال:
إذا خلا المرء من علم ومعرفة ظلمت نفسك لو تدعوه إنسانًا
16- حاجة الناس إليه:يقول الإمام أحمد بن حنبل : "الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس".
17- أفضل من ألف عابد وألف ركعة :وقال رسول الله : "يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة: ولأن تغدو فتعلم بابًا من العلم عمل به أو لم يعمل به خير لك من أن تصلي ألف ركعة"
يقول جعفر بن محمد : "رواية الحديث وبثه في الناس أفضل من عبادة ألف عابد".
18- كفارة للذنوب:يقول عطاء: (مجلس علم يكفر سبعين مجلسًا من مجالس اللهو).
19- أفضل من النافلة:ويقول الإمام الشافعي : "ما تقرب إلى الله تعالى بشيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم" وقال أيضًا: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة".وقال الزهري رحمه الله: العلم ذَكَر (أي مذكر) ولا يحبه إلا ذكران الرجال، وقيل: العلماء سُرُج الأزمنة، كل واحد مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره.* التوازن بين العلم والعبادة:ويقول الإمام الحسن البصري :"العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبًا لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا تضروا بالعلم، فإن قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد ، -يعني الخوارج- ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا".
* وجوب تعليم الآخرين:وكذلك كان يعلم أصحابه، ويوفدهم من عنده إلى غيرهم لينوبوا عنه في تعليمهم العلم، وتفقيههم في الدين.
فعن مالك بن الحويرث قال : "أتيت النبي في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: "ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا....." .وإيفاده مصعب بن عمير إلى المدينة قبل الهجرة ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن لنشر العلم معلوم ومشهور.
ونختم بكلمات رقيقة نجمع فيها فضل العلم فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقوامًا، فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدى بفعالهم ويُنتهي إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار في الظُلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء .
والأقوال والأعمال في فضل العم كثيرة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فهي أسطع من الشمس في ضحاها ونكتفي بما ذكرنا.
- أهمية طلب العلم
طبيعة الإسلام تفرض على الأمة التي تعتنقه أن تكون أمة متعلمة ترتفع فيها نسبة المثقفين، وتهبط أو تنعدم نسبة الجاهلين.
ذلك لأن حقائق هذا الدين -من أصول أو فروع- ليست طقوسًا تنقل بالوراثة، أو تعاويذ تشيع بالإيحاء، وتنتشر بالإيهام. كلا. إنها حقائق تستخرج من كتاب حكيم، ومن سنة واعية! وسبيل استخراجها لا يتوقف على القراءة المجردة، بل لابد من أمة تتوفر فيها الأفهام الذكية والأساليب العالية، والآداب الكريمة.فإذا قلت هذه العناصر في بيئة ما اضمحل أمر الإسلام وذبلت أغصانه كما تبلي الشجرة الباسقة في أرض ذهب خصبها وجف ماؤها.
وهناك بعد ذلك التفكير في الكون والذي تكرر الأمر به في سور القرآن واعتبر الأساس الأول لإقامة إيمان ثابت وطيد. إن هذا التفكير هو الذي فتق الأذهان عن روائع الحضارة الحديثة، ويسر للدنيا هذه الكشوف الجليلة لأسرار الوجود، وسخر للناس ما لم يكونوا يحلمون به، ثم هناك أيضًا التوصية باتباع الحق وحده والبحث عنه مهما خفي، واستنكار الظنون العائمة، إن هذا كفيل بإيجاد مجتمع بعيد عن الخرافات منزه عن الأوهام.إن العلم للإسلام كالحياة للإنسان ولن يجد هذا الدين مستقرًا له إلا عند أصحاب المعارف الناضجة والألباب الحصيفة، أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ .إن الله شرف الحياة بالإسلام بعد ما بلغت رشدها ونمت قواها واستعدت لأن تتلقى منه أزكى التعاليم وأرقاها فكان جميعه ملائمًا لتطور الحياة نحو الكمال.وأنت إذا نظرت إلى الصلاة - وهي العبادة الأولى في الإسلام - وجدت أداءها والأذان لها عملاً عقليًا بحتًا، فالدعوة إلى الصلاة كلمات تقرع العقل وتوفظ القلب؛ تكبير لله، وشهادة بتوحيده، وحث على الفلاح، وليست جرسًا يرسل رنينه في الفضاء ويخاطب المشاهر المبهمة، والصلاة نفسها آيات تتلى من كتاب جامع لعزائم الخير ودلائل الرشد، ومدى قبولها مقرون بصحو الفكر في إقامتها وتدبر العقل لمعانيها.
والحق أنه على قدرة ذكاء الشخص واستنارته واستقامة فطرته على القدر رسوخ قدمه في الإسلام، وهيهات أن يسبق في هذا الدين بليد الرأي سقيم الوجدان.إن أول ما نزل من آيات القرآن قول الله لنبيه : اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ .وتجعل اللبنة الأولى في بناء كل رجل عظيم أن يقرأ وأن يتعلم، وهكذا قضت سنة الله في أنبيائه فهذا:
هذا سيدنا يوسف : ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وعِلْمًا .وسيدنا موسى عليه السلام: ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وعِلْمًا .
وهذان سيدنا داود وسيدنا سليمان عليها السلام فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكُلاً آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا .ولا غرو، فأنى للعقول الكليلة والمعارف الضيقة أن تدرك جلال الكبير المتعال؟وأنى لمن يعيش على هامش الحياة - بجهله وظلمته- أن يعرف الحق عن رب الحياة، أو يلمح طرفًا من صفاته العظمى وآياته الكبرى؟؟
والسر في هذا الحكم أن عبادة الجهال - كصداقتهم- قليلة الجدوى، وهم يضرون أنفسهم من حيث يريدون نفعها، ويؤذون أصدقاءهم من حيث يبغون راحتهم، وجهلة العباد يستمسكون بالدين استمساكًا شديدًا ويتعصبون له تعصبًا ظاهرًا، ولكنهم في ساعة رعونة وغباء يقفون منه الموقف الذي يلحق به الأذى والمعرة، ويجر عليه المتاعب الجمة.* ثم انظر رحمك الله كيف أنه سبحانه وتعالى جعل صيد الكلب الجاهل ميتة لا يحل أكله وأباح صيد الكلب المعَلَّم فقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ قال الله : وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ومَا يَعْقِلُهَا إلا العَالِمُونَ ، ليس ضيق الأفق كليل النظر.* وبين أن الدافع إلى الخير، الوازع عن الشر، المراقب له، الحريص على مرضاته، هو ضمير العالم المستنير الخبير بربه. أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ .
أهمية العلوم الكونية:
والعلم الذي يقبل المسلم عليه، ويستفتح أبوابه بقوة، ويرحل لطلبه من أقصى المشارق والمغارب، ليس علمًا معينًا محدود البداية والنهاية، فكل ما يوسع منادح النظر، ويزيح السدود أمام العقل النهم إلى المزيد من العرفان، وكل ما يوثق صلة الإنسان بالوجود ورب الوجود، ويفتح له آمادًا أبعد من الكشف والإدراك، وكل ما يتيح له السيادة في العالم، والتحكم في قواه، والإفادة من ذخائره المكنونة، ذلك كله ينبغي التطلع له والتضلع فيه، ويجب على المسلم أن يأخذ بسهم منه، وهذا الشمول دلت عليه الآيات والسنن، ومنها قول رسول الله : ((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)) .وقوله : ((إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في جوف البحر ليصلون على معلم الناس الخير)) .
فالسياق في هذه السنن يوجه إلى طلب العلم وتعلم الخير وتعليمه على إطلاقه وتخصيص العلم بلون معين من الثقافة كتخصيص المال بنوع معين من الأملاك؛ إنه لمن الخطأ أن نظن أن العلم المحمود هو دراسة الفقه والتفسير وما شابه ذلك من الفنون فحسب، وأما ما وراءها فهو نافلة يؤديها من شاء تطوعًا أو يتركها وليس عليه من حرج..!!هذا خطأ كبير، فإن علوم الكون والحياة، ونتائج البحث المتواصل في ملكوت السماء والأرض لا تقل خطرًا عن علوم الدين المحضة، بل قد يرتبط بها من النتائج ما يجعل معرفتها أولى بالتقديم من الاستبحار في علوم الشريعة.إن علوم الكون الحياة مساوية لعلوم الآخرة في خدمة الدين وتجلية حقائقه، غاية ما هنالك أن العلوم الكونية تحتاج دراسات أطول، أما العلم بالدين فميسور لمن أخلص له أيامًا معدودات.وليست دراسة الحقوق والقضاء أشرف في ذاتها من دراسات الطب والهندسة مثلاً -ولو بلغ صاحبها مبلغ أبي حنيفة- وإنما يرجح الرجل صاحبه في علمه بمقدار ما يسخر هذا العلم لنفع الناس ابتغاء وجه الله، وانتظار ما لديه من مثوبة.ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ، فبالمال والبنين امتدت هذه الأمة بعد انكماش وتقدمت بعد تقهقر، واستعادت رضا الله بعد ما فقدته.
بالعلم والمال يبني الناس ملكهمُ لم يُبن ملك على جهل وإقلال
نماذج من علمائنا:
- هذا الإمام النووي -صاحب رياض الصالحين- يموت في الخامسة والأربعين من عمره (631-676هـ). ويترك من المؤلفات ما قسموه بعد موته على أيام حياته فكان نصيب كل يوم أربع كراريس! فكيف تم له ذلك؟ اسمع منه يجبك: "بقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض" ينام على المكتب وأمامه الكتاب وغيره ينام على نهاية الإرسال!!
- ويحكى أن الإمام ابن جرير الطبري - صاحب التفسير- المتوفى منذ 310هـ عن 83سنة مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة!! أي أنه رحمه الله كتب ما يقرب من 584000 ورقة رقم لم يعرف لعالم في البشرية مثله!!
- وهذا الإمام ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ يقول: "كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني" وقال أيضًا: "لو قلت أنني طالعت عشرين ألف مجلد، كان أكثر.. وأنا بعدو في الطلب".
وقيل عنه (إن براية أقلام ابن الجوزي التي كتب بها العلم جمعت فحصل منها شيء كثير فأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها". فلماذا أوصى بذلك؟
- وذلك هو إمام الطب في زمانه -ابن النفيس- رحمه الله كان إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية -ويكتب مثل السيل إذا انحدر- فإذا كلَّ القلم (لم يعد يصلح) رمى به وتناول غيره لئلا يضيع عليه الزمن في بري الأقلام.
-
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
تطبيقات عملية
1. لا مكان في المجتمع اليوم إلا للمتفوقين: فمن بين مئات الأطباء والمهندسين والمدرسين و.. لا يتوجه الناس -طالبي الخدمة ودافعي المال- إلا لمن يثقون في علمه وأمانته وتميزه على غيره فاحرص دائما على حسن الاستيعاب والتعلم من أجل الإجادة والتميز لا لمجرد النجاح في الامتحان.
2. جزء من الدرجة يطيح بك من كلية تحبها إلى أخرى.. ومن بلدك إلى آخر الدنيا لتنفق وقتًا ومالاً كنت في غنى عن إنفاقه لو صبرت ساعة أخرى على مكتبك!! (حتى لو اضطرت لاستعمال الغراء فإن النصر صبر ساعة).
3. اختر لنفسك نية -أو أكثر- مما يأتي: (واعلم أن على قدر نيتك يكون أجرك) :
3- نيات طالب العلم
1. التقرب إلى الله تعالى بتعلم العلم النافع استجابة لأمره (اقرأ باسم ربك الذي خلق).
2. التقرب إلى النبي القائل (اطلبوا العلم ولو في الصين) والقائل (طلب العلم فريضة على كل مسلم).
3. تقرب من الملائكة الذين يضعون أجنحتهم لطالب العلم رضا بما يصنع والحصول على شهادتهم له.
4. بر للوالدين اللذين لا تقرُّ أعينهما إلا بنجاح ابنهما وتفوقه وسعادته في الدنيا والآخرة.
5. لمصاحبة الناجحين الجادين والبعد عن الفاشلين الهازلين.
6. لتعليم الجاهلين ونشر العلم النافع ومساعدة طلاب العلم (خيركم من تعلم العلم وعلمه).
7. الاستعانة بالعلم على الجهاد في سبيل الله وإعلاء راية الإسلام وتحصيل أسباب القوة المادية في كل الميادين الحديثة.
8. الاستعانة بشتى العلوم الطبيعية والإنسانية على الدعوة إلى الله تعالى ببيان ارتكاز الإيمان على العلم.
9. الاستعانة بالعلم النافع على العمل واكتساب الرزق الحلال والاستغناء عن سؤال الناس.
10. الاستعانة على الزواج وبناء البيت وإعفاف النفس والزوجة.
11. حسن تربية الأولاد ومساعدتهم في فهم دروسهم وإدراك وسائل التربية الصحيحة.
12. تحقيق القدوة العملية للأبناء ولأجيال المسلمين القادمة كما صنع علماء الأمة الأفذاذ السابقين والمعاصرين.
13. زيادة قيمتك كإنسان بما تحصله من معارف ومهارات وسلوك قويم فإن (قيمة المرء ما يتقنه).
14. عمارة الأرض كما قال النبي : (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) .
- هل لديك نيات أخرى؟ أضفها وذكر بها ثلاثة من زملائك يوميا
- أكتبها بخط جميل وضعها أمامك على مكتبك واهد ثلاث نسخ منها لثلاثة من معارفك.
ليست علوم الشريعة فقط!!
وقد أثمر تشجيع الإسلام للعلوم الكونية و علوم الحياة وحثه عليه ثمرته المرجوة، فبرز المسلمون في شتى العلوم، وتفوقوا في جميع المجالات، ولمعت أسماء العلماء المسلمين في كافة فروع المعرفة.
• يقول مارتن بلسنر: "لا يكاد يوجد شيء من جهود المسلمين في ميدان العلوم لم يتأثر به الغرب بطريق أو بآخر".
• ويقول ول ديورانت في كتابه (قصة الحضارة): "وجملة القول أن ابن سينا أعظم من كتب في الطب في العصور الوسطى، وأن الرازي أعظم أطبائها، والبيروني أعظم الجغرافيين فيها، وابن الهيثم أعظم علمائها في البصريات، وجابر بن حيان أعظم الكيميائيين فيها، والخوارزمي في الرياضيات والإدريسي في الجغرافيا وابن البيطار في الصيدلة.
لم يدع الإسلام بابًا من أبواب العلم إلا وطرقه وشجع على معارف وعلوم ربما ظن البعض أنه لا علاقة له بها.
- ففي بيان أهمية معرفة المسلم للقراءة والكتابة ثبت في السيرة النبوية أن النبي كان يطلب من الأسير من أسرى بدر إذا لم يجد فدية أن يعلم عددًا من أبناء المسلمين الكتابة في مقابل إطلاق سراحه.
وجاء في القرآن الكريم ما يفيد أن معرفة القراءة والكتابة منحة من الله يهبها لعباده، وذلك في قول الحق تبارك وتعالى: ولا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ
- وفي الدلالة على أهمية الإلمام بلغات أخرى غير العربية وجه النبي صحابيًا جليلاً هو زيد بن ثابت ليتعلم لغة اليهود الذين كانوا يجاورونه في المدينة، فتعلمها في أقل من نصف شهر.
أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت أن النبي أمره أن يتعلم كتاب اليهود قال: حتى كتبت للنبي كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه.
وفي رواية أبي داود قال: "أمرني رسول الله فتعلمت له كتاب يهود، وقال: "إني والله ما آمن يهود على كتابي" فتعلمه، فلم يمر بي إلا نصف شهر حتى حذقته (أي أتقنته وتعلمته) فكنت أكتب له إذا كتب، وأقرأ له إذا كتب إليه".
وورد كذلك توجيه النبي ليتعلم السريانية فتعلمها في سبعة عشر يومًا، ففي مسند أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله : تحسن السريانية؟ إنها تأتيني كتب، قال: قلت لا، قال: فتعلمها، قال: فتعلمتها في سبعة عشر يومًا.
ولما كانت العلوم الكونية دليلاً على قدرة الخالق ووحدانيته، والإلمام بها وسيلة للنهوض في مجالات الحياة الأخرى كالزراعة والصناعة وغيرهما، لأجل هذا رأينا القرآن الكريم ينوه بالعلماء فيها، ويلفت النظر إلى علو قدرهم، وسمو مكانتهم، وذلك في موضعين من كتاب الله تعالى:
- الأول: قول الحق تبارك وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ .
- والثاني: قول الحق تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ومِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وغَرَابِيبُ سُودٌ . ومِنَ النَّاسِ والدَّوَابِّ والأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ .
وذِكْر العلماء في ثنايا الحديث عن آيات كونية في الفلك والجيولوجيا وعلوم الأجناس والحيوان والنبات واللغات ما ينوه بشأن العلماء في هذه المجالات، ويحض المسلمين -من جانب آخر- على أن يقتحموا هذه المجالات، وألا تقتصر جهودهم على معرفة الفقه والحديث والأصول دون غيرها.
لقد اعتبر الإسلام إلمام المسلمين بهذه العلوم من فروض الكفايات، لما يترتب عليها من تنامي قوتهم المادية، وتلبية حاجاتهم المعيشية، ولأن الإسلام دين يوازن بين الروح والمادة، وبين الدنيا والآخرة لم يشعر المسلمون بأي تناقض بين التفوق في العلوم الكونية للمساهمة في قوة المسلمين وبين تطلعاتهم الروحية، وذلك لأن جهودهم في العلوم الكونية تتحول إلى عبادة عندما يكون الهدف منها العمل على إعلاء كلمة الله، ونشر التوحيد في أرجاء الأرض.
وكأن المسلمين يرددون على مر العصور -بالقول والعمل-:
سائلوا التاريخ عنا ما وعى من حمى حق ضعيف ضُيعًا؟
من بنى للعلم صرحًا أرفعا؟ مـن أقام الدين والدنيا معًا؟
سـائلـوه سـيجيـب الـمــســلـمـون
4- الغاية من طلب العلم لكن الإسلام -الذي أعلى من شأن العلم على النحو الذي سبق بيانه- يرى - ضرورة أن يتحرك العلم في الإطار الذي يعين الناس على معرفتهم بخالقهم، ويوثق صلتهم به، باعتبار أن الغاية التي لأجلها خلقوا هي عبادة الله تعالى، كما قال ربنا: ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ .وهذه الغاية ينبغي أن يحققها العلم بشتى أنواعه وفروعه، سواء كانت علومًا شرعية أو لغوية، أو كونية أو رياضية، أو غير ذلك من أنواع العلوم؛ فالله يقول: اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .لم يقل (اقرأ) وفقط، بل بيَّن أن القراءة ينبغي أن تكون باسم الله، أي بما يحقق رضاه وليست باسم حاكم أو عظيم، وليست باسم وطن أو جنسية أو طبقة.وفي ذلك إشارة إلى أن العلم ينبغي أن يحقق ما يرضي الله، ويقرب منه، ويقول الله تبارك وتعالى: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَيَاةَ الدُّنْيَا . ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ .ويقول أيضًا: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ والشاهد في الآيتين أن الله تعالى ذم الكافرين رغم علمهم، لأنه لم يدلهم على الله، ولم يوثق صلتهم بخالقهم.
وهكذا يتبين أن العلم ينقسم إلى فرض عين وهو ما يجب على المسلم أن يعلمه عن ربه ودينه ونبيه ، وفرض كفاية وهو ما يجب على المسلمين سده في التخصص العلمي كالصناعة والزراعة والطب والهندسة والعلوم والآداب والإعلام والاقتصاد، وغيرها من فروع الحياة.
المصدر: طلابنا . كوم